المجلد الأول
مقدمة المؤلف
...
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر يا كريم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد واله
(1) قال الشيخ الإمام1 أبو المعالي إمام الحرمين رضي الله عنه حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها يستمد [ذلك] الفن وبحقيقته [وفنه] وحده2 إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحد وإن عسر فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلمه مع حفظ من العلم الجملى بالعلم الذي يحاول الخوض فيه. فأصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه.
(2) والكلام نعني به معرفة العالم وأقسامه وحقائقه وحدثه والعلم بمحدثة وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه والعلم بالنبوات وتميزها بالمعجزات عن دعاوى المبطلين وأحكام النبوات والقول فيما يجوز ويمتنع من كليات الشرائع ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حد وهو يستمد من الإحاطة بالميز بين العلم وما عداه من الاعتقادات والعلم بالفرق بين البراهين والشبهات ودرك مسالك النظر.
(3) ومن مواد أصول الفقه العربية فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ [ولن] يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا باللغة والعربية.
(4) ومن مواد الأصول الفقه فإنه مدلول الأصول ولا يتصور درك3 الدليل دون درك المدلول ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه [يتمثل بها] في كل. PageV01P007
باب من أصول الفقه فإن قيل فما الفقه قلنا هو في اصطلاح علماء الشريعة العلم بأحكام التكليف فإن قيل معظم متضمن مسائل الشريعة ظنون قلنا ليست الظنون فقها وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون ولذلك قال المحققون أخبار الآحاد وأقيسة الفقه لا توجب عملا لذواتها وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل وهي الأدلة القاطعة على وجوب العمل عند رواية أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة.
(5) فإن قيل فما أصول الفقه قلنا هي أدلته وأدلة الفقه هي الأدلة السمعية وأقسامها نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع ومستند.
جميعها قول الله تعالى:.
ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه من الكلام.
(6) فإن قيل تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع قلنا حظ الأصولي إبانة القاطع في العمل بها ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط الدليل به.
فصل.
(7) قد ذكرنا أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية ونحن نذكر الآن معنى الأحكام ذكرا جمليا ثم نفصلها بعد ذلك.
(8) فليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة فيه ثابتة فإذا قلنا شرب الخمر محرم لم يكن التحريم صفة ذاتية للشرب وإذا أوجبنا الشرب عند الضرورة فهو كالشرب المحرم عند الاختيار والمعنى بكونه محرما أنه متعلق النهى وبكونه واجبا متعلق الأمر وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة صفة حقيقية من ذلك القول وهو كتسميتنا الشيء معلوما مع القطع بأنه ليس له من تعلق العلم به صفة حقيقية.
(9) ثم من أحكام الشرع التقبيح والتحسين وهما راجعان إلى الأمر والنهي فلا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه كما لا يحسن شيء لعينه.
(10) وقسمت [المعتزلة الأفعال] قسمين فقالوا يثبت حكم القبح والحسن في أحدهما مستدركا بالعقل غير متوقف على ورود الأمر والنهي ثم قسموا هذا القسم قسمين فزعموا أن أحدهما يدرك القبح والحسن فيه ضرورة ببديهة العقل.