كتاب الطهارة
قال الشيخ الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر اللخمي: (¬1)
باب في وجوب الطهارة للصلاة، وأعدادها ومفروضها ومسنونها وفضائلها
الطهارة للصلاة فرض؛ لقول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ"، أخرجه البخاري ومسلم (¬2). وقوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" أخرجه مسلم (¬3). ولا خلاف بين الأمة في ذلك.
ومن "المدونة": قال سحنون (¬4):. . . . . . . . . . . . . PageV01P005
قلت لابن القاسم (¬1): أرأيت الوضوء أكان مالك يوقت فيه واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ قال: لا (¬2)، إلا ما أسبغ، ولم يكن مالك يوقت (¬3).
وقد اختلفت الآثار في التوقيت، وقال مالك: إنما قال عز وجل: {ياأيها PageV01P006 # الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] قال ابن القاسم: وما رأيت عند مالك في الغسل والوضوء توقيتا، ولكنه كان يقول: يتوضأ ويغتسل ويسبغهما جميعا (¬1).
قال الشيخ أبو الحسن -رحمه الله-: قوله: وقد اختلفت الآثار في التوقيت (¬2).
اتساع في العبارة، وإنما أراد اختلفت الآثار في الأعداد؛ لأن الموقت هو الواجب، ولم تختلف في الواجب كم هو، وإنما اختلفت الآثار في الأعداد (¬3)؛ وأخرج البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا" (¬4) فثبت بهذه الأحاديث أن الفرض واحدة، وأن الزائد فضيلة؛ لأنه لا يجوز أن يقتصر على واحدة والفرض اثنان أو ثلاثة. PageV01P007
فصل [في الوضوء]
الوضوء في أعداده على ثلاثة أقسام: فرض، وفضيلة، وممنوع تارة، وتارة مستحب.
فالفرض واحدة، والفضيلة اثنتان، تمام الثلاثة، والممنوع الرابعة إذا أتى بها عقيب الثالثة أو بعد ذلك وقبل الصلاة بذلك الوضوء، فإن كان قد صلى به صلاة كان تجديد (¬1) الطهارة لكل صلاة يصليها بعد ذلك، وإن لم تنتقض طهارته- فضيلة.
فإن توضأ في الأولى ثلاثا فلما صلى، جدد الطهارة لصلاة أخرى بثلاث (¬2)، فصارت بإضافتها إلى الأولى ستا جاز ذلك، فمنع الرابعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فمن زاد على الثلاث فقد أساء وتعدى وظلم" (¬3)، وجاز ذلك لصلاة أخرى؛ لحديث أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم -يتوضأ عند كل صلاة. قيل له: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: كان يجزىء أحدنا وضوؤه ما لم يحدث". أخرجه البخاري ومسلم (¬4). PageV01P008
وأجاز مالك في المدونة أن يتوضأ مرة إذا أسبغ (¬1). وقال أيضا: لا أحب الواحدة إلا من العالم (¬2)، وقال (¬3) في سماع أشهب: الوضوء مرتان مرتان، وثلاث ثلاث، وقيل له: فالواحدة؟ قال: لا (¬4). وقال في "مختصر ابن عبد الحكم": لا أحب أن ينقص من اثنتن إذا عمتا (¬5).
وهذا احتياط (¬6) وحماية؛ لأن العامي إذا رأى من يقتدى به يتوضأ مرة مرة، فعل مثل ذلك وقد لا يحسن الإسباغ بمرة (¬7) فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به، وإن لم يسبغ في الأولى وأسبغ في الثانية، كان بعض الثانية فرضا وهو إسباغ ما عجز عن الأولى وبعضها فضيلة (¬8) وهو ما تكرر منها على الموضع الذي أسبغ أولا، وله أن يأتي برابعة يخص بها الموضع الذي عجز عنه أول مرة، ولا يعم في الرابعة فيدخل في النهي.