صفاته تعالى أزلية
ثم يعتقدون أن الله تعالى المحدث للعالم موصوف بصفات ذاتية، وصفات فعلية، فأما الصفات الذاتية فهي ما يصح أن يوصف بها في الأزل وفي لا يزال كالعلم والقدرة، وأما الصفات الفعلية فهي ما لا يصح أن يوصف بها في الأزل وفي لا يزال كالخلق والرزق؛ لا يقال إنه أبدا كان خالقا ورازقا؛ لأن ذلك يؤدي إلى قدم المخلوق والمرزوق، بل يقال إنه أبدا كان قادرا على الخلق والرزق، عالما بمن يخلقه ويرزقه، فإن قيل إنه أبدا الخالق والرازق بالألف واللام جاز.
صفة العلم
ثم يعتقدون أن الله تعالى عالم بعلم واحد قديم أزلي يتعلق بجميع المخلوقات فلا يخرج مخلوق عن عمله؛ لأنه لو لم يكن موصوفا بالعلم لكان موصوفا بضده وهو الجهل، ثم يكون الجهل صفة له قديمة، والقديم يستحيل عدمه، فلا يكون أبدا عالما، PageV01P375 وذلك نقص، والرب عز وجل موصوف بصفات الكمال لا بصفات النقص «1»؛ قال الله عز وجل: والله بكل شيء عليم (الحجرات: من الآية 16)، وقال تعالى: أنزله بعلمه (النساء: من الآية 166).
صفة القدرة
ثم يعتقدون أن الله عز وجل قادر بقدرة واحدة قديمة أزلية تتعلق بجميع المقدورات، فلا يخرج مقدور عن مقدوراته، لأن ضد القدرة العجز فلو لم يكن في الأزل موصوفا بالقدرة لكان موصوفا بضدها وهو العجز، ثم يكون العجز صفة له قديمة، والقديم يستحيل عدمه كما ذكرنا في العلم فلا يكون أبدا قادرا، وذلك آفة، والرب عز وجل منزه عن الآفات. قال الله عز وجل: والله على كل شيء قدير (آل عمران: من الآية 29). والكلام في إثبات جميع صفاته الذاتية كالكلام فيما ذكرناه من إثبات العلم والقدرة.
صفة الإرادة
ثم يعتقدون أن الله عز وجل مريد بإرادة قديمة أزلية، فجميع ما يجري في العالم من خير أو شر أو نفع أو ضر أو سقم أو صحة أو طاعة أو معصية فبإرادته وقضائه، لاستحالة أن يجري في ملكه ما لم يرده؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقصه وعجزه. قال الله تعالى فعال لما يريد (البروج: 16) وقال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (الأنعام: من الآية 125).
والكلام في هذه المسألة مع القدرية يطول لأنهم لا يثبتونها على أصلهم، وهو أن العقل عندهم يوجب ويحسن ويقبح، وعند أهل الحق العقل لا يوجب ولا يحسن ولا يقبح، بل الحسن ما حسنته الشريعة والقبيح ما قبحته الشريعة «2». قال الله عز وجل وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (الإسراء: من الآية 15). فأخبرنا تعالى أنهم آمنوا من العذاب قبل بعث الرسول إليهم، فالواجب فعله ما لا يؤمن أمن في تركه عذاب، فعلم بهذه الآية أن الله تعالى لم يوجب على العقلاء شيئا من جهة العقل، بل أوجب ذلك عند مجيء الرسل من قبل الله تعالى، ولأن العقل صفة للعاقل وهو محدث PageV01P376 مخلوق لله تبارك وتعالى، وليس بقائم بنفسه ولا حي ولا قادر ولا عالم ولا متكلم، وما هذه حالته فلا يصح أن يوجب على العقلاء ولا على غيرهم شيئا ولا أن يحرم شيئا ولا يقبح شيئا، ولا يعلم به غير المعلومات التي لا تتعلق به كجميع العلوم. إذا كان الأمر كذلك لم تصر الأفعال حسنة واجبة بإيجابه، ولا محرمة قبيحة بتحريمه، ولا مباحة كسائر الحوادث لأنه محدث مخلوق كسائر العلوم والحوادث، ولو وجب عليهم شيء من جهة العقل قبل مجيء الرسل فكان حجة عليهم مجردة في ذلك لما قال: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (النساء: من الآية 165)