(مسألة) :
وهذا الذي قاله إذا عرا لفظ الصدقة عن لفظ التحبيس فإن اقترن به ما يقتضي تبتيل الصدقة فهو على ذلك وإن اقترن به من صفة المتصدق عليهم، أو صفة الصدقة ما يقتضي التخيير فهو على ذلك، وإذا عرا من ذلك فقد قال القاضي أبو محمد: إنها لا تكون بمعنى التحبيس؛ لأن الصدقة ظاهرها تمليك الرقبة، وإنما ينصرف إلى المنافع.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن الحبس وما في معناه بأي لفظ كان تبقى الرقبة على ملك المحبس وللشافعي ثلاثة أقوال:
أحدها: مثل هذا، والثاني: ينتقل إلى الموقوف عليهم والثالث: ينتقل إلى الباري تعالى والدليل على ما نقوله ومن جهة المعنى أنه بدل المنافع فلا تخرج بذلك الرقبة عن ملك الباذل بالعارية ودليل ثان أن كل ما لا يصح عتقه فلا يجوز الملك عن رقبته ويبقى الملك على منافعه كالحيوان والعروض.
[الباب الثاني فيمن يصح التحبيس منه ومن يصح التحبيس عليه وما يصح تحبيسه]
1
<span class="matn">. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
</span><span class="matn-hr"> </span>
[المنتقى]
(الباب الثاني فيمن يصح التحبيس منه، ومن يصح التحبيس عليه وما يصح تحبيسه) التحبيس في الأصل جائز يلزم في الحياة والموت ولا يفتقر إلى حكم حاكم والمشهور عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ولا يلزم وأصحابه المتأخرون يحكون عنه أنه جائز ولكن لا يلزم إلا بأحد أمرين: إما بحكم حاكم أو يوصي في مرضه، أو يوقف بعد موته فيصح ويكون من ثلثه كالوصية إلا أن يكون مسجدا أو سقاية فإن ذلك يلزم ولا يفتقر إلى حكم حاكم وهذه المسألة التي كلم فيها أبو يوسف مالكا في مجلس الرشيد فظهر عليه مالك.
وقال له هذه أوقاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقلها أهل المدينة خلفهم عن سلفهم يشير إلى الخبر المتواتر فرجع أبو يوسف في ذلك عن مذهب أبي حنيفة وهذا فعل أهل الدين والعلم في الرجوع إلى الحق حين ظهر وتبين ورأى أصحابه المتأخرون الاعتذار لقوله القديم لما قدمناه.
والدليل على ما نقوله مع ما قدمناه قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ومن جهة السنة ما روى نافع عن ابن عمر «أن عمر بن الخطاب أصاب بخيبر أرضا فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه فكيف تأمرني به قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث بل في الفقراء والأقربين والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول به» ودليلنا من جهة المعنى أنه تحبيس عقار على وجه القربة فلم يفتقر إلى وصية ولا حكم حاكم كالمسجد والمقبرة.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن له في تحبيس الرباع وإعمارها قولا واحدا وهو الجواز، وأما الحيوان والعروض ففي الموازية عن مالك أنه كره الحبس في الحيوان.
وقد قال ابن القاسم في المجموعة من أعمر دابته، أو داره أو عبيده في حياته جاز ويرجع بعد موته إلى ورثته قال ابن القاسم في العتبية لم أسمع من مالك في تحبيس الثياب شيئا ولا بأس به، وقال أشهب ذلك جائز.
(فرع) إذا ثبت ذلك فإن قلنا بالجواز وجب أن يكون ذلك لازما لموافقة الشرع مع كونه من العقود اللازمة، وإن قلنا بكراهة ذلك ففيه روايتان إحداهما الجواز والثانية اللزوم.