وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط، لأنه لما شج رأسه وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج دخل أرش الشجة في الدية.
والصحيح ما قاله مالك رحمه الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} [الحج: الآية 46]، فوصف القلوب بأنها يعقل بها، فلولا أن العقل موجود بها لما وصفت بذلك حقيقة، كما لا توصف الأذن بأنه يرى بها ولا يصغي بها. وأيضا فإنه قال {قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} [الحج: الآية 46] فأضاف منفعة كل عضو إليه كما فعل في الأذن. وكما قال تعالى: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} [الأعراف: الآية 195] فأضاف إلى كل عضو المنفعة المخصوصة به، فثبت بذلك أن العقل منفعة القلب ومختص به.
والفقه
: معرفة الأحكام الشرعية.
ذهب مشايخنا إلى أن حد الفقه معرفة أحكام المكلفين، ونقض لهم هذا الحد بأن من الفقه معرفة أحكام من ليس بمكلف من بني آدم وسائر الحيوان.
وجاوب القاضي أبو بكر عن ذلك بأن قال: إن هذا النقض لا يلزم، لأن المكلفين هم المطلوبون بها، وذلك معنى إضافتنا إليهم، ولا يصح على هذا أن يكون حكم لغير مكلف. PageV01P101
وهذا الجواب وإن كان فيه بعض التخلص مما ألزمه الخصم على وجه الجدل، فإن إضافته الأحكام إلى من تتعلق به ممن جنى أو جني عليه أظهر من تعلقها بمن يحكم في ذلك.
ولذلك يقال حكم جناية فلان وحكم ما جني على فلان، وحكم ما أفسدت في المواشي. فثبت حكم الجناية بوجودها وإن لم يحكم به حاكم.
والتحرز من هذا واجب لو تساوى إضافة الحكم إلى من حكم به وإضافته إلى من وجد منه أو وجد به، فكيف إذا كانت إضافته إلى من وجد منه أو وجد به أظهر.
ووجه ثان: وهو أنه لو كان هذا على ما جاوب به لوجب أن يجزئه من هذا الحد قوله "معرفة الأحكام" إذ لا يصح على ما جاوب به أن يضاف حكم إلى غير مكلف. فلم تزد إضافة الأحكام إلى المكلفين إلا إلباسا.
وعندي أن ما حددته به أسلم من الاعتراض، وهو قولنا "معرفة الأحكام الشرعية" احترازا من الأحكام العقلية التي لا توصف في عادة المتخاطبين وعرفهم بأنها من الفقه، وإن كان معنى الفقه الفهم. تقول: فهمت ما قال فلان وفقهته. ومن فهم ما قال له قائل من الأحكام الشرعية العقلية صح بأن يوصف بأنه فقه عنه، وأنه فقيه بذلك. لكن عرف المخاطب قصر ذلك على نوع من العلم، ولذلك لا يوصف العالم بالعربية والحساب والهندسة ولغات العرب وغير ذلك من أنواع العلم بأنه فقيه وإن كنا لا نشك أنه لم يكن عالما حتى فقهها وفهمها.