مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم (¬1)
الحمد لله القادر، العليم الفاطر، الحكيم المتصف (¬2) بالعلم الشامل والطول الكامل، الذي أحصى كل شيء عددا، وأحاط بكل شيء علما، فلا يخفى عليه الشاهد والغيب، ولا يشوب (¬3) علمه الشك والريب، يعلم العلن والإسرار والجهر والإضمار، والمشكل والجلي، والبادي والخفي، {ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59]
ويعلم قول الحكل (¬4)، (لو أن ذرة ... تساود (¬5) أخرى لم يفته سوادها).
فسبحانه من عالم لا بفكرة واجتهاد، وضمير فؤاد (¬6)، و (¬7) بصير لا بحدقة وسواد، وعزيز لا بعدة وعتاد، وقائل لا بلسان ولهاة، وصانع لا بآلة PageV01P391 # وأداة، ومريد (¬1) لا بتوطين نفس، ومتكلم لا بنغمة وجرس، ومدبر لا بمشاورة، ومقدر لا بمداورة، تعالى عن الأنداد والأشكال والأشباه والأمثال، واستحق (¬2) أوصاف الكمال، واستأثر (¬3) بنعوت الجلال (¬4).
بعث في الأميين رسولا من أوسطهم نسبا، وأشرفهم حسبا، وأحسنهم أدبا، وأشهرهم أما وأبا، يتلو عليهم آياته، ويعارض أباطيلهم ببيناته، حتى انكشطت غشاوة الشك عن وجه اليقين، وتفرت دياجي الكفر عن عمود الدين، أنزل عليه نورا مبينا، ووحيا مستبينا، أنقذ به من الضلالة، وهدى به من حيرة الجهالة، والناس على شرف بوار (¬5)، والخلق على شفا نار (¬6)، وجعله قرآنا عربيا فرفع به من شأن لغتهم، وأزرى (¬7) نظمه (¬8) بنظومهم وبلاغتهم، ولما تحداهم عجزوا عن معارضته (¬9)، وهم لد (¬10) بلغاء، وقصروا PageV01P392 # عن الإتيان بمثله وهم لسن (¬1) فصحاء، فبهرت معجزته، وظهرت دلالته صلى الله عليه وعلى آله صلاة تنمو أبدا، وتتصل مددا ما تناوب (¬2) الصباح والمساء، وانطبق على الأرض السماء.
وبعد: فمنذ دهر تحدثني نفسي بأن أعلق لمعاني (¬3) إعراب القرآن وتفسيره: فقرا (¬4) في الكشف عن غوامض معانيه، ونكتا (¬5) في الإشارة إلى علل القراءات فيه، في ورقات يصغر حجمها ويكثر غنمها، والأيام تمطلني بصروفها على اختلاف صنوفها، إلى أن شدد علي خناق التقاضي قوم لهم في العلم سابقة، وفي التحقيق همم صادقة، فسمحت قرونتي (¬6) بعد الإباء، وذلت PageV01P393 # صعوبتي بعد النفرة (¬1) والالتواء (¬2)، وذلك لتوفر دواعي أهل زماننا على الجهل، وظهور رغباتهم عن العلم، الذي فيه شرف الدين والدنيا، وعز الآخرة والأولى، فقل من ترى (¬3) من المتحلين بعقوده وقلائده، ومنتحلي غرره وفوائده (إلا متشبعا (¬4)، كلابس ثوبي زور) (¬5)، يبرق، وبروقه غير صادقة، ويرعد وسماؤه غير وادقة، اللهم إلا نفرا يقل عددهم عند الإحصاء، وتكثر فضائلهم على الحصر والاستقصاء، غير أنهم الأكثرون وإن قلوا، ومواضع الأنس (¬6) حيث حلوا؛ لأن العلم وإن أصبح في الناس مجفوا (¬7)، وأظهروا عنه نفرة ونبوا (¬8)، PageV01P394 # فحرمته لا تضاع (¬1)، وسوامه (¬2) لا تراع، ولن يخلو (¬3) الشيء الفاضل (¬4) في جنسه عن (¬5) عزته في نفسه، وإن قل من يعتامه (¬6) وعز من يطلبه ويستامه.
هؤلاء شكوا إلي: غلظ حجم المصنفات في التفسير، وإن الواحدة منها تستغرق (¬7) العمر كتابتها، ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته. فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه، وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب (¬8) فيما تحويه (¬9) من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات (¬10) البديعة، والملاحن (¬11) الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير، مما لا يوجد مثله في سائر اللغات. PageV01P395