تقييد العلم للخطيب البغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلي العظيم، الأغر الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله على الصادق الأمين، الناطق المبين محمد نبينا المختار، وعلى إخوانه المصطفين الأخيار، وأهل بيته الأبرار، وأزواجه أمهات المؤمنين، وتابعيهم بالإحسان إلى يوم الدين، ورحمة الله وبركاته عليهم أجمعين. أما بعد فإن الله سبحانه جعل للعلوم محلين: أحدهما القلوب، والآخر الكتب المدونة، فمن أوتي سمعا واعيا، وقلبا حافظا، فذاك الذي علت درجته، وعظمت في العلم منزلته، وعلى حفظه معوله؛ ومن عجز عن الحفظ قلبه، فخط علمه وكتبه، كان ذلك تقييدا منه له، إذ كتابه عنده آمن من قلبه، لما يعرض للقلوب من النسيان، وينقسم الأفكار من طوارق الحدثان. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» ، فحمل جماعة من السلف حكم كتاب العلم على ظاهر هذا الخبر، وكرهوا أن يكتب شيء من الحديث وغيره في الصحف، وشددوا في ذلك وأجاز آخرون منهم كتاب العلم وتدوينه، وأنا أذكر بمشيئة الله ما روي في ذلك من الكراهة وأبين وجهها وأن كتب العلم مباح غير محظور، ومستحب غير مكروه. وبالله تعالى أستعين، وهو حسبي، ونعم الوكيل.
باب ذكر الرواية عن رسول الله , صلى الله عليه وسلم , أنه نهى عن كتب ما سوى القرآن
أخبرنا أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، بنيسابور , حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم , حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، وأخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ , وأبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد , قالا: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاد النصيبي، حدثنا الحارث بن محمد التميمي، قالا: حدثنا عفان، حدثنا همام , أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه قال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن» وقال الصغاني: «غير القرآن» , ثم اتفقا «فمن كتب عني غير القرآن فليمحه»
وقال: «حدثوا عني , ولا تكذبوا علي , ومن كذب علي» قال همام: أحسبه قال: «متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»
وهكذا رواه أبو الوليد الطيالسي , عن همام , أخبرناه أبو طاهر محمد بن الحسن بن زيد بن الحسن العلوي بالري , أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سهل البزاز , حدثنا محمد بن أيوب , أخبرنا أبو الوليد , حدثنا همام , عن زيد بن أسلم , [ص: 30] عن عطاء بن يسار , عن أبي سعيد الخدري , أن النبي صلى الله عليه قال: «لا تكتبوا عني شيئا , فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه , ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»
ورواه هدبة بن خالد القيسي , عن همام كذلك , أخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي قال: قرأنا على عمر بن نوح البجلي: أخبركم جعفر بن محمد الفريابي , حدثنا هدبة بن خالد , حدثنا همام بن يحيى , عن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار , عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه قال: «لا تكتبوا عني , ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» ، قال: «ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار , وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»
ورواه أبو مالك كثير بن يحيى , عن همام , أخبرناه الحسن بن أبي بكر بن شاذان , أخبرنا أحمد بن إسحاق بن وهب البندار , حدثنا أبو العباس أحمد بن علي الأبار سنة ثمان وثمانين ومائتين , حدثنا أبو مالك صاحب أبي عوانة , حدثنا همام بن يحيى , عن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار , عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب شيئا فليمحه»