باب في حكم قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا , ومن السنة كذا هل يجب حمله على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه , أو يجوز كونه أمرا ونهيا له ولغيره
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا ابن عون , عن حميد بن زاذويه , عن أنس بن مالك , قال: " أمرنا , أو قال نهينا ألا نزيد أهل الكتاب على: وعليكم "
أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ثنا محمد بن يعقوب الأصم [ص: 421] ، ثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، أنا عبد الوهاب، ثنا ابن عون , عن محمد بن سيرين , أن أنس بن مالك , قال: «نهينا أن يبيع حاضر لباد»
أخبرني عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري، أنا عبد الخالق بن الحسن المعدل، ثنا محمد بن سليمان بن الحارث، ثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي، ثنا شعبة بن الحجاج , عن مسعر بن كدام , عن وبرة بن عبد الرحمن , عن همام بن الحارث , عن عبد الله بن مسعود , قال: «إن من السنة الغسل يوم الجمعة» قال أكثر أهل العلم: يجب أن يحمل قول الصحابي: أمرنا بكذا , على أنه أمر الله ورسوله , وقال فريق منهم: يجب الوقف في ذلك , لأنه لا يؤمن أن يعني بذلك أمر الأئمة والعلماء , كما أنه يعني بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم , والقول الأول أولى بالصواب , والدليل عليه أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا فإنما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع , وتحليل وتحريم , وحكم يجب كونه مشروعا , وقد ثبت أنه لا يجب بأمر الأئمة والعلماء تحليل ولا تحريم , إذا لم يكن ذلك أمرا عن الله ورسوله , وثبت أن التقليد لهم غير صحيح , وإذا كان كذلك لم يجز أن يقول الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا , ليخبر بإثبات شرع ولزوم حكم في الدين , وهو يريد أمر غير الرسول ومن لا يجب طاعته , ولا يثبت شرع بقوله , وأنه متى أراد أمر من هذه حاله وجب تقييده له بما يدل على أنه لم يرد أمر من يثبت بأمره شرع , وهذه الدلالة بعينها توجب حمل قوله: من السنة كذا على أنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم , فإن قيل: هل تفصلون بين قول الصحابي ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم , وبين قوله بعد وفاته؟ قيل: لا , لأنا لا نعرف أحدا فصل بين ذلك , فأما إذا قال ذلك من بعد الصحابة فلا يمتنع أن يعني بذلك أمر الأئمة بذلك الشيء , وأمرهم حجة يجب اتباعها , ويحرم مخالفتها , وإن كان قد قالوه رأيا واجتهادا , ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء , فإجماع الأئمة على التحليل أو التحريم يثبت به الحكم كأمر النبي صلى الله عليه وسلم , وقد يفصل بين القائل لذلك من الصحابة وبين القائل له ممن بعدهم , بأن القائل له من الصحابة وقد جعل له بحق معاصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقيه عنه والسماع منه , ومن بعده ليس كذلك , فيحتمل أن يريد به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويحتمل أن يريد به أمر غيره من أئمة الدين , وأيضا فإنه إذا حمل قول القائل: أمرنا بكذا على أنه أمر من الأئمة بذلك الشيء فإنه قد تضمن ذلك كون النبي صلى الله عليه وسلم آمرا به , لأنه قد ثبت أنه قد أمر بفعل ما أجمعت الأمة على الأمر به , ونهى عما نهت عنه , وإنما نمنع من حمل ظاهر الرواية على أنه أمر من لا يثبت بأمره ونهيه حكم وشرع، ولا يجب به العمل , وليس هذه حال أمر الأئمة بالشيء