الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، أخبرنا الشيخ أبو عبد الله بن علي بن أبي العلاء المصيصي بدمشق نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ قدم علينا من لفظه قال: الحمد لله الذي هدانا لدينه القويم، وأرشدنا إلى صراطه المستقيم، وألهمنا الحمد له على ما خولنا من جزيل نعمه، وجعله نعمة علينا مضافة إلى سائر مننه، أحمده حمد معترف بالتقصير فيما يلزمه من شكر هباته، وأسأله التوفيق للعمل بما يقرب إلى مرضاته، وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تبلغ معتقدها أمله، ويختم الله لقائلها بالسعادة عمله، وأشهد أن محمدا عبده المنتخب من بريته، ورسوله الداعي لخلقه إلى طاعته، أرسله بالحق المبين، وابتعثه بالشرع المتين، فجلى غوامض الشبهات، وأنار حنادس الظلمات، وأباد حزب الكفر وأنصاره، وشيد أعلام الدين ومناره، صلى الله عليه صلاة يعطيه فيها أمنيته، ويرفع بها في الآخرة درجته، وعلى إخوانه من النبيين وآله الأخيار المنتخبين، وتابعيهم بالإحسان أجمعين. أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى أنقذ الخلق من ثائرة الجهل، وخلص الورق من زخارف الضلالة بالكتاب الناطق والوحي الصادق، المنزلين على سيد الورى نبينا محمد المصطفى، ثم أوجب النجاة من النار، والبعد عن منزل
الذل والخسار، لمن أطاعه في امتثال ما أمر والكف عما عنه نهى وزجر، فقال: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [سورة: النور، آية رقم: 52] وطاعة الله في طاعة رسوله، وطاعة رسوله في اتباع سنته، إذ هي النور البهي والأمر الجلي والحجة الواضحة والمحجة اللائحة، من تمسك بها اهتدى، ومن عدل عنها ضل وغوى. ولما كان ثابت السنن والآثار وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال، إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات لأمر الدين إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في حفظ أصولها، ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها، وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كتب الأحاديث والمثابرة على جمعها من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين، وينظروا نظر السلف الماضين في حال الراوي والمروي، وتمييز سبيل المرذول والرضي، واستنباط ما في السنن من الأحكام، وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل قنعوا من الحديث باسمه، واقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه، فهم أغمار، وحملة أسفار، قد تحملوا المشاق الشديدة، وسافروا إلى البلدان البعيدة، وهان عليهم الدأب والكلال، واستوطئوا مراكب الحل والارتحال، وبذلوا الأنفس والأموال، وركبوا المخاوف والأهوال، شعث الرءوس، شحب الألوان، خمص البطون، نواحل الأبدان، يقطعون أوقاتهم بالسير في البلاد لما علا من الإسناد، لا يريدون شيئا سواه ولا يبتغون إلا إياه، يحملون عمن لا تثبت عدالته، ويسمعون ممن لا تجوز أمانته، ويروون عمن لا يعرفون صحة حديثه، ولا يتيقن ثبوت مسموعه، ويحتجون
بمن لا يحسن قراءة صحيفته، ولا يقوم بشيء من شرائط الرواية، ولا يفرق بين السماع والإجازة، ولا يميز بين المسند والمرسل والمقطوع والمتصل، ولا يحفظ اسم شيخه الذي حدثه حتى يستثبته من غيره، ويكتبون عن الفاسق في فعله، المذموم في مذهبه، وعن المبتدع في دينه، المقطوع على فساد اعتقاده، ويرون ذلك جائزا، والعمل بروايته واجبا، إذا كان السماع ثابتا والإسناد متقدما عاليا، فجر هذا الفعل منهم الوقيعة في سلف العلماء، وسهل طريق الطعن عليهم لأهل البدع والأهواء، حتى ذم الحديث وأهله بعض من ارتسم بالفتوى في الدين، ورأى عند إعجابه بنفسه أنه أحد الأئمة المجتهدين، بصدوفه عن الآثار إلى الرأي المرذول، وتحكمه في الدين باجتهاده المعلول، وذلك منه غاية الجهل ونهاية التقصير عن مرتبة الفضل، ينتسب إلى قوم تهيبوا كد الطلب ومعاناة ما فيه من المشقة والنصب، وأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، واختلفت عليهم الأسانيد فلم يضبطوها، فجانبوا ما استثقلوا، وعادوا ما جهلوا، وآثروا الدعة واستلذوا الراحة، ثم تصدروا في المجالس قبل الحين الذي يستحقونه، وأخذوا أنفسهم بالطعن على العلم الذي لا يحسنونه , إن تعاطى أحدهم رواية حديث فمن صحف ابتاعها، كفي مئونة جمعها من غير سماع لها ولا معرفة بحال ناقلها، وإن حفظ شيئا منها خلط الغث بالسمين، وألحق الصحيح بالسقيم، وإن قلب عليه إسناد خبر أو سئل عن علة تتعلق بأثر؛ تحير واختلط وعبث بلحيته وامتخط، تورية عن مستور جهالته، فهو كالحمار في طاحونته، ثم رأى ممن يحفظ الحديث ويعانيه ما ليس في وسعه الجريان فيه، فلجأ إلى الازدراء بفرسانه، واعتصم بالطعن على الراكضين في ميدانه