الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ذي القدرة والجلال، والنعم السابغة والإفضال، الذي من علينا بمعرفته، وهدانا إلى الإقرار بربوبيته، وجعلنا من أمة خاتم النبيين، السامي بفضله على سائر العالمين، الطاهر الأعراق، الشريف الأخلاق، الذي قال الله الكريم مخاطبا له في الذكر الحكيم: {وإنك لعلى خلق عظيم} [سورة: القلم، آية رقم: 4] صلى الله عليه وسلم، وأزلف منزلته لديه، وعلى إخوانه وأقربيه وصحابته الأخيار وتابعيه، وسلم عليه وعليهم أجمعين، دائما أبدا إلى يوم الدين. أما بعد: فقد ذكرت في كتاب «شرف أصحاب الحديث» ما يحدو ذا الهمة على تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد في طلبها، والحرص على سماعها، والاهتمام بجمعها والانتساب إليها. ولكل علم طريقة ينبغي لأهله أن يسلكوها، وآلات يجب عليهم أن يأخذوا بها ويستعملوها. وقد رأيت خلقا من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث، ويعدون أنفسهم من أهله المتخصصين بسماعه ونقله، وهم أبعد الناس مما يدعون، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون، يرى الواحد منهم إذا كتب عددا قليلا من الأجزاء، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر، أنه صاحب حديث على الإطلاق، ولما يجهد نفسه ويتعبها في طلابه، ولا لحقته مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه
(1) كما نا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي الحافظ إملاء بنيسابور، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن زياد، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا محمد بن سهل بن عسكر، قال: " حضرت المأمون بالمصيصة، فقام إليه رجل بيده محبرة فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به. قال: فوقف المأمون، فقال له: إيش تحفظ في باب كذا وكذا؟ قال: فسكت الرجل، فقال المأمون: نا ابن علية، عن فلان عن فلان، عن فلان، وحدثنا حجاج الأعور عن ابن جريج كذا حتى عدد له كذا حديثا، ثم قال: إيش تحفظ في باب كذا؟ قال: فسكت، فسرد فيه كذا حديثا، ثم قال: أحدهم يطلب الحديث ثلاثة أيام، يقول: أنا صاحب حديث، أعطوه ثلاثة دراهم "
(2) نا أبو طالب يحيى بن علي الطيب الدسكري لفظا بحلوان، أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن المقرئ بأصبهان، نا غسان بن رضوان بن شعيب أبو الحسن البزاز، ببغداد، نا أحمد بن العباس النسائي، قال: " سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث، يقال: إنه صاحب حديث؟ قال: لا، قلت له: عنده مائتا ألف حديث، يقال: إنه صاحب حديث؟ قال: لا، قلت: له: ثلاثمائة ألف حديث؟ فقال بيده كذا، يروح يمنة ويسرة، وأومأ غسان بيده كذا وكذا، يقلبها "
(3) حدثني محمد بن أحمد بن علي الدقاق، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي، بالبصرة، نا الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد، نا الحسن بن عثمان التستري، نا أبو زرعة الرازي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، يقول: «من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء، لم يعد صاحب حديث» وهم مع قلة كتبهم له، وعدم معرفتهم به أعظم الناس كبرا، وأشد الخلق تيها وعجبا، لا يراعون لشيخ حرمة، ولا يوجبون لطالب ذمة، يخرقون بالراوين، ويعنفون على المتعلمين، خلاف ما يقتضيه العلم الذي سمعوه، وضد الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه، وقد وصف أمثالهم بعض السلف فيما