أحن إلى قومي وإن كنت نائيا ... فإني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسبرة ... كرام معد كابرا بعد كابر PageV02P544
فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه فقال: ابني ورب الكعبة، ووصفوا له موضعه، وعند من هو. فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه، وقدما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا:
يا بن عبد المطلب، يا بن هاشم، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فدائه. قال: ومن هو؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك! قالوا: وما هو؟ قال: أدعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا.
قالا: قد زدتنا على النصف، وأحسنت. فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم.
قال: من هذا؟ قال: هذا أبي. وهذا عمي. قال: فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما. قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك، وعلى أهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا.
ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر، فقال: يأمن حضر. اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا. ودعي زيد بن محمد، حتى جاء الإسلام فنزلت: ادعوهم لآبائهم 33: 5. فدعي يومئذ زيد بن حارثة، ودعى الأدعياء إلى آبائهم، فدعي المقداد بن عمرو، وكان يقال له قبل ذلك المقداد بن الأسود، لأن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه.
وذكر معمر في جامعه، عن الزهري قال: ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة. قال عبد الرزاق: وما أعلم أحدا ذكره غير الزهري.
قال أبو عمر: قد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة، وشهد زيد بن حارثة بدرا، وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة بن زيد، وبه كان يكنى، وكان يقال لزيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أحب الناس إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه- يعني زيد بن حارثة- أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق.
وقتل زيد بن حارثة بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة، وهو كان كالأمير على تلك الغزوة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فقتلوا ثلاثتهم في تلك الغزوة. لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي جعفر بن أبي طالب وزيد ابن حارثة بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي. حدثنا أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان بن جيرون [1] ، حدثنا أبو محمد قاسم بن أصبغ، حدثنا أبو بكر بن أبي خيثمة، حدثنا ابن معين، حدثنا يحيى ابن عبد الله بن بكير المصري، حدثنا الليث بن سعد، قال: بلغني أن زيد ابن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف اشترط عليه الكري أن ينزله حيث شاء. قال: فمال به إلى خربة، فقال له: انزل. فنزل، فإذا في الخربة PageV02P546