(المقدمة)
بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو الحسن علي بن إسماعيل النحوي اللغوي الأندلسي المعروف بابن سيده: الحمد لله المميت ذي العزة والملكوت ملهم الأذهان إلى الاستدلال على قدمه ومعلمها أن وجوده لم يك واقعا بعد عدمه ثم معجزها بعظيم قدرته على ما منحها من لطيف الفكرة ودقيق النظر والعبرة عن تحديد ذاته وإدراك محمولاته وصفاته نحمده على ما ألهمنا إليه وفطر أنفسنا من الإقرار بألوهيته والاعتراف بربوبيته ونسأله تخليص أنفسنا حتى يلحقنا بعالمه الأفضل لديه وبجواره الأزلف إليه ثم الصلاة على عبده المصطفى ورسوله المقتفى سراجنا النير الثاقب ونبينا الخاتم العاقب محمد خيرة هذا العالم وسيد جميع ولد آدم والسلام عليه وعلى آله الطيبين المنتخبين صلى الله عليه وعليهم أجمعين أما بعد فإن الله عز وجل لما كرم هذا النوع المرسوم بالإنسان وشرفه بما آتاه من فضيلة النطق على سائر أصناف الحيوان وجعل له رسما يميزه وفضلا يبينه على جميع الأنواع فيحوزه أحوجه إلى الكشف عما يتصور في النفوس من المعاني القائمة فيه المدركة بالفكرة ففتق الألسنة بضروب من اللفظ المحسوس ليكون رسما لما تصور وهجس من ذلك في النفوس فعلمنا بذلك أن اللغة اضطرارية وإن كانت موضوعات ألفاظها اختيارية فإن الواضع الأول المسمى للأقل جزأ وللأكثر كلا وللون الذي يفرق شعاع البصر فيبثه وينشره بياضا وللذي يقبضه فيضمه ويحصره سوادا لو قلب هذه التسمية فسمى
الجزء
كلا والكل جزأ والبياض سوادا والسواد بياضا لم يخل بموضوع ولا أوحش أسماعنا من مسموع ونحن مع ذلك لا نجد بدا من تسمية جميع الأشياء لتحتاز بأسمائها وينماز بعضها من بعض بأجراسها وأصدائها كما تباينت أول وهلة بطباعها وتخالفت قبل ذلك بصورها وأوضاعها ونعما ما سددت الحكماء إليه في ذلك من دقيق الحكمة ولطيف النظر والصنعة لما حرصوا عليه من الإيضاح وأغذوا إليه من إيثار الإبانة والإفصاح. فأما التي تدل على كميتين مختلفتين منفصلتين أو متصلتين كالبشر الذي يقع على العدد القليل والكثير والجلل الذي يقع على العظيم والصغير واللفظة التي تدل على كيفيتين متضادتين كالنهل الواقع على العطش والري واللفظة الدالة على كيفيات مختلفة كالجون الواقع على السواد والبياض والحمرة وكالسدفة المقولة على الظلمة والنور وما بينهما من الاختلاط فسآتي على جميعها مستقصى في فصل الأضداد من هذا الكتاب مثبتا غير جاحد ومضطرا إلى الإقرار به على كل ناف معاند ومبرئا للحكماء المتواطئين على اللغة أو الملهمين إليها من التفريط ومنزها لهم عن رأي من وسمهم في ذلك بالذهاب إلى الإلباس والتخليط. وكذلك أقول على الأسماء المترادفة التي لا يتكثر بها نوع ولا يحدث عن كثرتها طبع كقولنا في الحجارة حجر وصفاة ونقلة وفي الطويل طويل وسلب وشرحب وعلى الأسماء المشتركة التي تقع على عدة
أنواع كالعين المقولة على حاسة البصر وعلى نفس الشيء وعلى الربيئة وعلى جوهر الذهب وعلى ينبوع الماء وعلى المطر الدائم وعلى حر المتاع وعلى حقيقة القبلة وغير ذلك من الأنواع المقولة عليها هذه اللفظة ومثل هذا الاسم مشترك كثير وكل ذلك ستراه واضحا أمره مبينا عذره في موضعه إن شاء الله. وقد اختلفوا في اللغة أمتواطأ عليها أم ملهم إليها وهذا موضع يحتاج إلى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي ولا توقيف إلا أن أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي النحوي قال هي من عند الله واحتج بقوله سبحانه وعلم آدم الأسماء كلها وهذا ليس باحتجاج قاطع وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر آدم على أن واضع عليها وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به وعلى أنه قد فسر هذا بأن قيل إن الله عز وجل علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات فكان آدم صلى الله عليه وولده يتكلمون بها ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كل واحد منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها لبعدهم بها وإذا الخبر الصحيح قد ورد بهذا فقد وجب تلقيه باعتقاده والانطواء على القول به. فإن قيل فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكون المعلم من ذلك الأسماء دون هذين النوعين الباقيين فكيف خص الأسماء وحدها قيل اعتمد ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى الأنواع الثلاثة ألا ترى أنه لابد لكل كلام مفيد من الاسم وقد تستغني الجملة المستقلة عن كل واحد من الفعل والحرف فلما كانت الأسماء من القوة والأولية في النفس والرتبة بحيث لا خفاء به جاز أن تكتفي بها مما هو تال لها ومحمول في الاحتياج إليه عليها وهذا كقول المخزومي: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مزبد أي وإذا كان الله يعلمه فلا أبالي بغيره أذكرته واستشهدته أم لم أذكره ولم أستشهد به ولا نريد بذلك أن هذا أمر خفي فلا يعلمه إلا الله عز وجل وحده بل إنما نحيل فيه على أمر واضح وحال مشهورة حينئذ متعالمة وإنما الغرض في مثل هذا عموم معرفة الناس لفشوه وكثرة جريانه على ألسنتهم. وأما الذين قالوا إن اللغة لا تكون وحيا فإنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لابد فيه من المواضعة وذلك أنه كان يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا يريدون أن يبينوا الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا إذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز به من غيره وليغني بذكره عن إحضاره وإظهاره إلى مرآة العين فيكون ذلك أسهل من إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله بل قد نحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره ولا إدناؤه كالفاني وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم فأومؤا إليه فقالوا إنسان فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا النوع من الجنس المخلوق. وإن أرادوا تسمية جزء منه أشاروا إلى ذلك الجزء فقالوا عين أنف فم ونحو ذلك من أجزائه التي تتحلل جملته إليها وتتركب عنها فمتى سمعت اللفظة من هذه كلها علم معناها وصارت له كالسمة المميزة للموسوم والرسم المحتاز لما تحته من المرسوم وكالحد المميز لما تحته من المحدود وإن كانت تلك الإبانة طبيعية وهذه تواضعية غير طبيعية ثم هلم جرا فيما سوى ذلك من الأسماء والأفعال والحروف ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها فتقول الذي اسمه إنسان فليجعل مرد والذي اسمه رأس أو دماغ فليجعل