مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن
أخبرنا الشيخ أبو المعالي محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين قراءة عليه بنيسابور، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين ابن علي البيهقي رحمه الله، في سنة ست وخمسين وأربع مئة، قال:
الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته، وجنسهم بمشيئته (¬1)، وكرم بني آدم بما شاء من نعمته، وفضلهم على كثير من بريته، بما ركب فيهم من العقل الذي يستدل به على وحدانيته، وبعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين، حتى دعوهم إلى طاعته، ونهوهم عن معصيته، وخص من شاء منهم بهدايته.
أحمده على جميع نعمه بما هو أهله، وكما ينبغي له، وأستعينه استعانة من لا حول ولا قوة له إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما قدمت وأخرت، استغفار من يقر بعبوديته، ويعترف بخطيئته، ويعلم أنه لا ينجيه من عقوبته إلا سعة رحمته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم PageV01P003 # حميد} [فصلت: 42]، وفرض اتباع كتابه فقال: {فاستمسك بالذي أوحي إليك} [الزخرف: 43]، وقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49]، وقال مثل هذا في غير آية.
ووضع رسوله صلى الله عليه وسلم من دينه موضع الإبانة عنه ما أراد بكتابه: عاما، وخاصا، وفرضا، وأدبا، وإباحة، وإرشادا، ووقتا، وعددا، فقال جل ثناؤه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44].
وجعل له أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب، فقال: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [آل عمران: 164]، وفرض اتباع رسوله فقال: {أطيعوا} [النساء: 59]، وقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80].
وفرض فيما لم يمض به كتاب ولا سنة متابعة المؤمنين فيما أجمعوا عليه، والاجتهاد في طلب الصواب فيما اختلفوا فيه بالدلائل المنصوبة عليه، فقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (¬1) [النساء: 115]، PageV01P004 # وقال: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2].
فصلوات الله على رسوله محمد، وعلى آله، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون.
أما بعد:
فقد اجتهد المجتهدون من هذه الأمة في معرفة كتاب الله عز وجل، والوقوف على سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وآثار أصحابه الذين شاهدوا التنزيل وعلموا التأويل، وسمعوا أقاويل الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بين من الكتاب، وسن من الأحكام، ثم قاسوا ما لم يمض فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر، على ما جاء فيه بعض ذلك، بالدلائل المنصوبة عليه، فاختلف اجتهادهم في بعض ما ذهبوا إليه، لغفلة بعضهم عن بعض السنة، أو عن موضع الحجة، أو عن استنباط العلة المؤثرة، رحمنا الله وإياهم، وكل منهم قصد قصد الحق فيما تكلف، واجتهد في أداء ما كلف.
وقد نظرت بتوفيق الله تعالى في أقاويلهم، وتدبرت في دلائلهم، فوجدت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أتبعهم للسنة، وأقومهم فيما ذهب إليه بالحجة، وذلك بين في كتابه لمن سلك سبيل التفقه في مذهبه (¬1).