بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على رسوله محمد، وآله.
الأصل في التوكل
(¬1) قوله تعالى: {وعليه فليتوكل المتوكلون} [يوسف: 67].
وقال المؤمنون: {على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} [يونس: 85].
وقال ربنا: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا} [الممتحنة: 4].
وقال: {وعليه فليتوكل المتوكلون} [يوسف: 67]. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122]. {وما لنا ألا نتوكل على الله} إلى PageV01P033 # قوله: {وعلى الله فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12].
وقال مخبرا عن نبيه: {وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} [يونس: 84، 85].
وروى ابن أبي الدنيا (¬1) باسناده عن عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير؛ تغدو خماصا، وتروح بطانا" (¬2).
وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله" (¬3).
وبإسناده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يدخل الجنة من PageV01P034 # أمتي سبعون ألفا بفير حساب؛ لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون". فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "اللهم اجعله منهم". قام رجل آخر فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "قد سبقك بها عكاشة" (¬1).
وبإسناده عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الطيرة من الشرك، ولكن الله يذهبها بالتوكل" (¬2).
* * * PageV01P035
فصل
في حقيقة التوكل في الرزق
فهو: ألا تتشرف نفسه إلى أحد من الناس؛ بل يعلم أنه لا يرزق سواه، ولا يضر ولا ينفع شيء إلابإذنه.
والتعلق بالأسباب (¬1) ليس من ضعف التوكل (¬2) وإنما هو بلاء من الطبع. PageV01P037
وقد نص أحمد (¬1) على (¬2) أن حقيقته قطع التشرف. في رواية المروذي (¬3) وقد سأله: أي شيء صدق التوكل على الله تعالى؟ قال: "ألا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيء" (¬4).
وقد نص -أيضا- على أن التعلق بالأسباب ليس من ضعف التوكل في رواية المروذي، وقد سأله عن رجل يريد سفرا: أيما أحب إليك يحمل معه زادا أو يتوكل؟ قال: (يحمل معه زادا ويتوكل) (¬5). فقد أمره بالتوكل مع السبب وهو الزاد.
ونقلت من خط أبي حفص البرمكي (¬6): ...................................... PageV01P038
سمعت أبا بكر عبد العزيز (¬1): سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال (¬2) يقول: سئل أحمد عن الزاهد يكون زاهدا ومعه مائة دينار؟ قال: (نعم. على شريطة إذا زادت لم يفرح، وإذا نقصت لم يحزن) (¬3).
والدلالة على أن حقيقته قطع التشرف، وهو أعلى المقامات؛ ما روى ابن أبي الدنيا باسناده عن المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من استرقى واكتوى فقد برئ من التوكل" (¬4).
ومعناه: برئ من حقيقة التوكل الذي هو أعلى المقامات (¬5).
فإن قيل: هذا يعارضه ما تقدم من حديث عمر: "لو أنكم توكلتم على الله حق PageV01P039 # توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا، وتروح بطانا" (¬1). فشبه حقيقة التوكل بمن يطلب الرزق من الطير، وطلب الرزق تشرف.