فصل هل الأفضل الإنكار أو الترك مع الخوف
فصل
وإذا ثبت سقوطه مع الخوف على النفس أو ما دون النفس فهل يحسن الإنكار ويكون أفضل من تركه؟ ظاهر كلام أحمد أنه يحسن ويكون أفضل من تركه. قال في كتاب المحنه في رواية حنبل: إن عرضت على السيف لا PageV01P088 # أجيب. وقال فيها أيضا: إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فما يتبين الحق وظاهر هذا أنه أجاز ذلك. وقال أيضا في رواية المروذي لما ذكر PageV01P089 # محمد بن مروان. الذي صلب في الأمر بالمعروف ترحم عليه وقال: قد قضى ما عليه. وذكر ابن أبي خالد وكان قد عرف قصته واقدامه فقال: ذاك قد هانت نفسه عليه. وظاهر هذا أنه صوب فعلهم ورأيت بخط أبي بكر أحمد بن عثمان الكيشي؟ قال شيخنا ويغلب على أنه يعني أبا عبد الله بن بطة لأنه كان على ظهر كتاب الإبانة من أنكر منكرا فقتل هل يكون PageV01P091 # شهيدا، قال: نعم وذكر الحديث "سيد الشهداء حمزة." ومن أنكر منكرا نقتل كان شهيدا خلافا للمتكلمين في قولهم ان ذلك قبيح إلا في موضعين أحدهما: عند إظهار كلمة الكفر فإنه يحسن منه إظهار الإيمان، والثاني: إظهار كلمة حق عند السلطان الجائر. وما عدا ذلك فإنه قبيح، وظاهر مذاهب الفقهاء إنه قبيح في الجملة.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية اسحاق بن أبي إبراهيم: لا يتعرض للسلطان PageV01P092 # فإن سيفه مسلول. وظاهر هذا النهي عنه.
والدلالة على حسنه قوله تعالى {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} يحث على الصبر في ذلك. فدل على أن فيه الفضل. وروى أبو بكر المروذي في كتاب الأمر بالمعروف بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله يا أبا هريرة (مر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، قال يا رسول الله أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأوذي؟ ، وقال: نعم كما أوذيت الأنبياء.
وذكر أبو محمد الخلال في كتاب الأمر بالمعروف قال: ذكر أبو النصر PageV01P093 # البلخي بإسناده عن أنس بن مالك قال رسول الله إن رحا قد دارت فدوروا مع القرآن حيث دار قالوا يا رسول الله: أرأيت ان لم نطق ذلك قال: كونوا كحواريي عيسى بن مريم. قالوا وما حواري عيسى ابن مريم؟ ، قال شقوا بالمناشير وصلبوا في جذوع النخل في الله عز وجل، فقالوا: يا رسول الله أرأيت إذا لم نطق. قال: فالقتل في طاعة الله خير من حياة في معصية. وروى أيضا: بإسناده عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول بالحق إذا رآه أو علمه). وروى أبو داود في PageV01P094 # كتاب الجهاد والسير بإسناده عن خباب قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا اليه فقلنا ألا تستنصر لنا! الا تدعو الله لنا! فجلس محمر الوجه فقال: قد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما تصرفه عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضر موت ما يخاف إلا الله والذيب على غنمه. ولكنكم تعجلون.
وأيضا فإنه نهى عن المنكر فكان حسنا عند الخوف. دليله إظهار الشهادتين وكلمة حق عند سلطان جائر، فإن قيل في ذلك اعزاز الدين فلهذا كان أفضل، قيل: إنما يحصل الاعزاز إذا لم يقتل، فأما مع القتل فهو إذلال الدين فلا فرق بينهما.