-[مراتب الإجماع]-
الكتاب: مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات
المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456ه)
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] PageV01P001
بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
قال الفقيه الأجل الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم رحمة الله عليه الحمد لله الذي لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه الذي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} وصلى الله على محمد عبده ورسوله وخاتم أنبيائه وخيرته من نوع الإنسان وسلم بعثه إلى جميع الجن والإنس من مبعثه إلى انقضاء هذا العالم وقيام الساعة نسخ بملته الملل ولا ناسخ لملته ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم
أما بعد فإن الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية يرجع إليه ويفزع نحوه ويكفر من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع وأنا أملنا بعون الله عز وجل أن نجمع المسائل التي صح فيها الإجماع ونفردها من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء فإن الشيء إذا ضم إلى شكله وقرن بنظيره سهل حفظه وأمكن طلبه وقرب متناوله ووضح خطأ من خالف الحق به ولم يتعن المختصمون في البحث عن مكانه
عند تنازعهم فيه ورجونا بذلك جزيل الأجر من الله عز وجل فإن المنفعة بجمع هذه المسائل جليلة جدا
ووجدنا الإجماع يقتسم طرفي الأقوال في الأغلب والأكثر من المسائل وبين هذين الطرفين وسائط فيها كثر التنازع وفي بحرها سبح المخالفون فأحد الطرفين هو ما اتفق جميع العلماء على وجوبه أو على تحريمه أو على أنه مباح لا حرام ولا واجب فسمينا هذا القسم الإجماع اللازم
والطرف الثاني هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب أو لم يأثم فسمينا هذا القسم الإجماع المجازي عبارة اشتققناها لكل صنف من صفته الخاصة به ليقرب بها التفاهم بين المعلم والمتعلم والمناظرين على سبيل طلب الحقيقة إن شاء الله وما توفيقنا إلا بالله
وبين هذين الطرفين أشياء قال بعض العلماء هي حرام وقال آخرون منهم ليست حراما لكنها حلال وقال قوم منهم هي واجبة وقال آخرون منهم ليست بواجبة لكنها مباحة وكرهها بعضهم واستحبها بعضهم فهذه مسائل من الأحكام والعبادات لا سبيل إلى وجود مسمى الإجماع لا في جوامعها ولا في أفرادها
ونحن ممثلون منها مثالا وذلك مثل زكاة الفطر فإن قوما قالوا هي فرض وقوم
قالوا ليست فرضا وقال قوم هي منسوخة ومثل زكاة العروض المتخذة للتجارة فإن قوما قالوا الزكاة فيها واجبة وقال آخرون لا زكاة فيها ثم اختلف وجوب الزكاة فيها أيضا اختلافا لا سبيل إلى الجمع بينهم فيه فقال بعضهم يخرج من أثمانها وقال آخرون يخرج من أعيانها ومثل هذا كثير فما كان من هذا النوع فليس هذا الكتاب مكان ذكره وفي مواضع أخر إن أعاننا الله بقوة من قبله وتأييد وأمدنا بعمر وفراغ فستجمع كل صنف منها في مكان هو أملك به إن شاء الله وما توفيقنا إلا بالله
وههنا نحو من أنحاء الإجماع ليس هذا المكان مكان ذكره وهو أن يختلف العلماء في مسألة ما فيبيحها قوم ويحظرها آخرون أو يوجبها قوم ولا يوجبها آخرون ولا بد أن يكون الحق في قول أحدهم وسائرهم مبطلون ببرهان سمعي أو برهان عقلي شرطي إذا تقصيت أقسام المقالة على استيعاب وثقة وصحة فيكون حينئذ إجماع المحققين في تلك المسألة إجماعا صحيحا مرجوعا إليه مستصحبا فيما اختلف فيه منها ما لم يمنع من شيء من ذلك نص وذلك كإجماع القائلين بالمساقاة والمزارعة على إباحة شيء من فروعها فيوقف عنده