(قال أبو محمد) هذا ترك منهم أيضا لظاهر هذا الخبر
(قال أبو محمد) ولا فرق بين قول الله تعالى {فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية} وبين قوله {وأما من خفت موازينه فأمه هاوية} كلاهما خبر أن جازإبطال أحدهما جاز إبطال ت الأربع هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر لهم بلا شك فبقي الذين لم يشاء الله تعالى أن يغفر لهم
الآخر ومعاذ الله من هذا القول وكذذلك قد منع الله تعالى من هذا القول بقوله تعالى {لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} ونحن نقول أن الله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وأنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء وأن كل أحد فهو في مشيئة الله تعالى إلا أننا نقول أنه تعالى قد بين من يغفر له ومن يعذب وإن الموازين حق الموازنة حق الشفاعة حق وبالله تعالى التوفيق حدثنا محمد بن سعيد بن بيان حدثنا أحمد بن عيد النصير حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام الختنى حدثنا كحمد بن المثنى حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله تعالى {وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} قال ما وعدوا فيه من خير وشر وهذا هو نص قولنا وقد ادعى قوم أن خلاف الوعيد حسن عند العرب وأنشدوا ... وإني وإن واعدته وأوعدته
لمخلف ميعادي ومنجزه موعدي ...
قال أبو محمد وهذا لا شيء قد جعل فخر صبي أحمق كافر حجة على الله تعالى والعرب تفخر بالظلم قال الراجز ... أحيا أباه هاشم بن حر مله ... ترى الملوك حوله مغر له ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له وقد جعلت العرب مخلف الوعد كاذبا قال الشاعر أنشده أبو عبيدة معمر بن المثنى ... أتوعدني وراء بني رباح ... كذبت لتقصرن يداك دوني ...
فإن قالوا خصوا وعيد الشرك بالموازنة قلنا لا يجوز لأن الله تعالى منع ذلك قال تعالى {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة}
(قال أبو محمد) وأهل النار متناضلون في عذاب النار فأقلهم عذابا أبوطالب فإنه توضع جمرتان من نار في أخمصيه إلى أن يبلغ الأمر إللى قوله تعالى {ادخلوا آل فرعون أشد العذاب} وقوله تعالى {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ولا يكون الأشد إلا إلى جنب إلا دون وقال تعالى {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر}
(قال أبو محمد) والكفار معذذبون على المعاصي التي عملوا من غير الكفر برهان ذلك قول الله سبحانه وتعالى {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} فنص تعالى على أن الكفار يعذبون على ترك الصلاة وعلى ترك الطعام للمسكين
(قال أبو محمد) وأما من عمل منهم العتق والصدقة أو نحو ذلك من أعمال البر فحابط كل ذلك لأن الله عز وجل قال أنه من مات وهو كافر حبط عمله لكن لا يعذب الله أحدا إلا على ما عمل لا على ما لم يعمل قال الله تعالى {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} فلما كان من لا يطعم المسكين من الكفار يعذب على ذلك عذابا زائدا فالذي أطعم المسكين مع كفره لا
يعذب ذلك العذاب الزائد فهو أقل عذابا لأنه لم يعمل من الشر ما عمل من هو أشد عذابا أنه عمل خيرا
(قال أبو محمد) وكل كافر عمل خيرا وشرا ثم أسلم فإن كل ما عمل من خير مكتوب مجازى به في الجنة وأما ما عمل من شر فإن تاب عنه مع توبته من الكفر سقط عنه وإن تمادى عليه أخذ بما عمل في كفره وبما عمل في إسلامه برهان ذلك حديث حكم بن حزام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من عتق وصدقة وصلة رحم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما سلف لك من خير فأخبر أنه خير وأنه له إذا أسلم وقالت له عائشة رضي الله عنها يا رسول الله أرأيت ابن جدعان فإنه كان يصل الرحم ويقرى الضيف أينفع ذلك قال لا لأنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين فأخبر عليه السلام أنه لم ينتفع بذلك لأنه لم يسلم فاتفقت الأخبار كلها على أنه لو أسلم لنفعه ذلك وأما مؤاخذته بما عمل فحديث ابن مسعود رضي الله عنه بنص ما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قلناه فإن اعترض معترض بقول الله تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} قلنا إنما هذا لمن مات مشر كافقط برهان ذلك إن الله تعالى قال {لئن أشركت ليحبطن عملك} ومن أسلم فليس من الخاسرين وقد بين ذلك بقوله {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} وإن اعترضوا فيما قلنا من المؤاخذة بما عمل في الكفر بقوله تعالى {قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} قلنا لهم هذا حجة لنا لأن من انتهى عن الكفر غفر له وإن انتهى عن الزنا غفر له وإن لم ينته عن الزنا لم يغفر له فإنما يغفر له عما انتهى عنه ولم يغفر له ما لم ينته عنه ولم يقل تعالى أن ينتهوا عن الكفر يغفر لهم سائر ذنوبهم والزيادة على الآية كذب الله تعالى وهي أعمال متغايرة كما ترى ليست التوبة عن بعضها توبة عن سائرها فلكل واحد منها حكم فإن ذكروا حديث عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله فقد قلنا أن الإسلام اسم لجميع الطاعات فمن أصر على المعصية فليس فعله في المعصية التي يتمادى عليها إسلاما ولا إيمانا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن فصح أن الإسلام والإيمان هو جميع الطاعات فإذا أسلم من الكفر وتاب من جميع معاصيه فهو الإسلام الذي يجب ما قبله وإذا لم يتب من معاصيه فلم يحسن في الإسلام فهو مأخوذ بألاول والاآخر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا تتفق الأحاديث وكذلك قوله عليه السلام والهجرة تجب ما قبلها فقد صح عنه عليه السلام أن المهاجر من هجر ما نهاه الله عنه فمن تاب من جميع المعاصي التي سلفت منه فقد هجر ما نهاه الله عنه فهذه هي الحجرة التي تجب ما قبلها وأما قوله عليه السلام والحج يجب ما قبله فقد جاء أن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا