الكلام على النصارى
قال أبو محمد رضي الله عنه النصارى وإن كانوا أهل كتاب ويقرون بنبوة بعض الأنبياء عليهم السلام فإن جماهيرهم وفرقهم لا يقرون بالتوحيد مجردا بل يقولون بالتثليث فهذا مكان الكلام عليهم والمجوس أيضا وإن كانوا أهل كتاب لا يقرون ببعض الأنبياء ولكنا أدخلناهم في هذا المكان لقولهم بفاعلين لم يزالا فالنصارى أحق بالإدخال ها هنا لأنهم يقولون بثلاثة لم يزالوا
والنصارى فرق منهم أصحاب أريوس وكان قسيسا بالإسكندرية ومن قوله التوحيد المجرد وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق وأنه كلمة الله تعالى التي بها خلق السموات والأرض وكان في زمن قسطنطين الأول باني القسطنطينية وأول من تنصر من ملوك الروم وكان على مذهب أريوس هذا
ومنهم أصحاب بولس الشمشاطي وكان بطريركيا بأنطاكية قبل ظهور النصرانية وكان قوله التوحيد المجرد الصحيح وأن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء عليهم السلام خلقه الله تعالى في بطن مريم من غير ذكر وأنه إنسان لا إلهية فيه وكان يقول لا أدري ما الكلمة ولا روح القدس
وكان منهم مقدونيوس وكان بطريركا في القسطنطينية بعد ظهور النصرانية أيام قسطنطين بن قسطنطين باني القسطنطينية وكان هذا الملك أريوسيا كاتبه وكان من قول مقدونيوس هذا التوحيد المجرد وأن عيسى عبد مخلوق إنسان نبي رسول الله كسائر الأنبياء عليهم السلام وأن عيسى هو روح القدس وكلمة الله عز وجل وأن روح القدس والكلمة مخلوقان خلق الله كل ذلك
ومنهم البربرانية وهم يقولون أن عيسى وأمه إلهان من دون الله عز وجل
وهذه الفرقة قد بادت وعمدتهم اليوم ثلاث فرق فأعظمها فرقة الملكانية وهي مذهب جميع ملوك النصارى حيث كانوا حاشي الحبشة والنوبة ومذهب عامة أهل كل مملكة للنصارى حيث كانوا حاشي الحبشة والنوبة ومذهب جميع نصارى أفريقية وصقلية والأندلس وجمهور الشام وقولهم أن الله تعالى عبارة عن قولهم ثلاثة أسباب أب وابن وروح القدس كلها لم تزل وأن عيسى عليه السلام إله تام كله وإنسان تام كله ليس أحدهما غير الآخر وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك وأن مريم ولدت الإله والإنسان وأنهما معا شيء واحد ابن الله تعالى الله عن كفرهم وقالت النسطورية مثل ذلك سواء بسواء إلا أنهم قالوا إن مريم لم تلد الإله وإنما ولدت الإنسان وأن الله تعالى لم يلد الإنسان وإنما ولد الإله تعالى الله عن كفرهم وهذه الفرقة غالبة على الموصل والعراق وفارس وخراسان وهم منسوبون إلى نسطور بطريركا بالقسطنطينية وقالت اليعقوبية إن المسيح هو الله تعالى نفسه وأن الله تعالى عن عظيم كفرهم مات وصلب وقتل وأن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر والفلك بلا مدبر ثم قام ورجع كما كان وأن الله تعالى عاد محدثا وأن المحدث عاد قديما وأنه تعالى هو كان في بطن مريم محمولا به وهم في أعمال مصر وجميع النوبة وجميع الحبشة وملوك الأمتين المذكورتين
قال أبو محمد رضي الله عنه ولولا أن الله تعالى وصف قولهم في كتابه إذ يقول تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وإذ يقول تعالى حاكيا عنهم {أن الله ثالث ثلاثة} وإذ يقول تعالى {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} لما انطلق لسان مؤمن بحكاية هذا القول العظيم الشنيع السمح السخيف وتاالله لولا أننا شاهدنا النصارى ما صدقنا أن في العالم عقلا يسع هذا الجنون ونعوذ بالله من الخذلان