ومنها ما لا نعلم أن أحدا قال به إلا أنه مما لا يؤمن أن يقول به قائل من المخالفين عند تضييق الحجج عليهم فليجئون إليها فلا بد إن شاء الله تعالى من ذكر ما يقتضيه مساق الكلام منها وذلك مثل القول بأن العالم محدث ولا محدث له فلا بد بحول الله تعالى من إثبات المحدث بعد الكلام في إثبات الحدوث وبالله تعالى التوفيق والعون لا إله إلا هو
باب مختصر جامع في ماهية البراهين الجامعة الموصلة إلى معرفة الحق في كل ما اختلف فيه الناس وكيفية إقامتها
قال أبو محمد رضي الله عنه هذا باب قد أحكماه في كتابنا الموسوم
بالتقريب في حدود الكلام وتقصيناه هنالك غاية التقصي والحمد لله رب العالمين إلا أننا نذكر هاهنا جملة كافية فيه لتكون مقدمة لما يأتي بعده مما اختلف الناس فيه يرجع إليها إن شاء الله تعالى فنقول وبالله التوفيق
إن الإنسان يخرج إلى هذا العالم ونفسه قد ذهب ذكرها جملة في قول من يقول أنها كانت قبل ذلك ذاكرة أولا ذكر لها البتة في قول من يقول أنها حدثت حينئذ أو أنها مزاج عرض إلا أنه قد حصل أنه لا ذكر للطفل حين ولادته ولا تمييز إلا ما لسائر الحيوان من الحس والحركة الإرادية فقط فتراه يقبض رجليه ويمدها ويغلب أعضاءه حسب طاقته ويألم إذا أحس البرد أو الحر أو الجوع وإذا ضرب أو قرص وله سوى ذلك مما يشاركه فيه الحيوان والنوامي مما ليس حيوانا من طلب الغذاء لبقاء جسمه على ما هو عليه ولنمائه فيأخذ الثدي ويميزه بطبعه من سائر الأعضاء بفمه دون سائر أعضائه كما تأخذ عروق الشجر والنبات رطوبات الأرض والماء لبقاء أجسامها على ما هي عليه ولنمائها
فإذا قويت النفس على قول من يقول أنها مزاج أو أنها حدثت حينئذ أو أخذت يعاودها ذكرها وتمييزها في قول من يقول أنها كانت ذاكرة قبل ذلك وأنها كالمفيق من مرض فأول ما يحدث لها من التمييز الذي ينفرد به الناطق من الحيوان فهم ما أدركت بحواسها الخمس كعلمها أن الرائحة الطيبة مقبولة من طبعها والرائحة الرديئة منافرة لطبعها وكعلمها أن الأحمر مخالف للأخضر والأصفر والأبيض والأسود
وكالفرق بين الخشن والأملس والمكتنز والمتهيل واللزج والحار والبارد والدفيء وكالفرق بين الحلو والحامض والمر والمالح والعفص والزاعق والتفه والعذب والحريف وكالفرق بين الصوت الحاد والغليظ والرقيق والمطرب والمفزع
قال أبو محمد فهذه إدراكات الحواس لمحسوساتها والإدراك السادس علمها بالبديهيات
فمن ذلك علمها بأن الجزء أقل من الكل فإن الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر وهذا علم منه بأن الكل
أكثر من الجزء وإن كان لا يتنبه لتحديد ما يعرف من ذلك ومن ذلك علمه بأن لا يجتمع المتضادان فإنك إذا وقفته قسرا بكى ونزع إلى القعود علما منه بأنه لا يكون قائما قاعدا معا
ومن ذلك علمه بأن لا يكون جسم واحد في مكانين فإنه إذا أراد الذهاب إلى مكان ما فأمسكته قسرا بكى وقال كلاما معناه دعني أذهب علما منه بأنه لا يكون في المكان الذي يريد أن يذهب إليه ما دام في مكان واحد
ومن ذلك علمه بأنه لا يكون الجسمان في مكان واحد فإنك تراه ينازع على المكان الذي يريد أن يقعد فيه علما منه بأنه لا يسعه ذلك المكان مع ما فيه فيدفع من في ذلك المكان الذي يريد أن يقعد فيه إذا يعلم أنه ما دام في المكان ما يشغله فإنه لا يسعه وهو فيه