قال أبو محمد قد أكملنا والحمد لله كثير الكلام على الملل المخالفة لدين الإسلام الذي هو دين الله تعالى على عباده الذي لا دين له في الأرض غيره إلى يوم القيامة وأوضحنا بعون الله تعالى وتأييده البراهين الضرورية على إثبات الأشياء ووجودها ثم على حدوثها كلها جواهرها وأعراضها بعد إن لم تكن ثم على أن لها محدثا واحدا مختارا لم يزل وحده لا شيء معه وأنه فعل لا لعلة وترك لا لعلة بل كما شاء لا إله إلا هو ثم على صحة النبوات ثم على صحة نبوة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم وأن ملته هي الحق وكل ملة سواها باطل وأنه آخر الأنبياء وملته آخر الملل فنبدأ الآن بعون الله تعالى وتأييده في ذكر نحل المسلمين وافتراقهم فيها وبيان الحق في كل وبالله نستعين
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم رضي الله عنه إذ قد أكملنا بعون الله الكلام في الملل فلنبدأ بحول الله عز وجل في ذكر الله عز وجل نحل أهل الإسلام وافتراقهم فيها وإيراد ما شغب به من شغب منهم فيما غلط فيه من نحلته وإيراد البراهين الضرورية على إيضاح نحلة الحق من تلك النحل كما فعلنا في الملل والحمد لله رب العالمين كثيرا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
قال أبو محمد فرق المقرين بملة الإسلام خمسة وهم أهل السنة والمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا ونبذ يسيرة من الاعتقادات سننبه عليها إن شاء الله تعالى ثم سائر الفرق الأربعة التي ذكرنا ففيها ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد وفيهم ما يخالفهم الخلاف القريب فأقرب فرق المرجئة إلى أهل السنة من ذهب مذهب أبي حنيفة الفقيه إلى أن الإيمان هو التصديق باللسان والقلب معا وأن الأعمال إنما هي شرائع الإيمان وفرائضه فقط وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان والأشعري ومحمد بن كرام السجستاني فإن جهما والأشعري يقولون أن الإيمان عقد بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد
الصليب في دار الإسلام بلا تقية ومحمد بن كرام يقول هو القول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه وأقرب فرق المعتزلة إلى أهل السنة أصحاب الحسين بن محمد النجار وبشر ابن غياث المريسي ثم أصحاب ضرار بن عمرو وأبعدهم أصحاب أبي الهزيل وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمزاني الفقيه القائلون بأن الإمامة في ولد علي رضي الله عنه والثابت عن الحسن بن صالح رحمه الله هو قولنا أن الإمامة في جميع قريش وتولى جميع الصحابة رضي الله عنهم إلا أنه كان يفضل عليا على جميعهم وأبعدهم الإمامية وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبد الله بن يزيد الأباضي الفزازي الكوفي وأبعدهم الأزارقة وأما أصحاب أحمد بن حابط وأحمد بن مالوس والفضل الحراني والغالية من الروافض والمتصوفة والبيطحية أصحاب أبي إسماعيل البطيحي ومن فارق الإجماع من العجاردة وغيرهم فليسوا من أهل الإسلام بل كفار بإجماع الأمة ونعوذ بالله من الخذلان ذكر ما اعتمدت عليه كل فرقة من هذه الفرق مما اختصت به
قال أبو محمد أما المرجئة فعمدتهم التي يتمسكون بها الكلام في الإيمان والكفر ما هما والتسمية بهما والوعيد واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلفت غيرهم وأما المعتزلة فعمدتهم التي يتمسكون بها الكلام في التوحيد وما يوصف به الله تعالى ثم يزيد بعضهم الكلام في القدر والتسمية بالفسق أو الإيمان والوعيد وقد يشارك المعتزلة في الكلام فيما يوصف الله تعالى به جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان والأشعرية وغيرهم من المرجئية وهشام بن الحكم وشيطان الطاق واسمه محمد بن جعفر الكوفي وداود الحواري وهؤلاء كلهم شيعة إلا أننا اختصصنا المعتزلة بهذا الأصل لأن كل من تكلم في هذا الأصل فهو غير خارج عن قول أهل السنة أو قول المعتزلة حاشا هؤلاء المذكورين من المرجئة والشيعة فإنهم انفردوا بأقوال خارجة عن قول أهل السنة والمعتزلة وأما الشيعة فعمدة كلامهم في الإمامة والمفاضلة بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم وأما الخوارج فعمدة مذهبهم الكلام في الإيمان والكفر ما هما والتسمية بهما والوعد والإمامة واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم وإنما خصصنا هذه الطوائف بهذه المعاني لأن من قال إن أعمال الجسد إيمان فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وإن مؤمنا يكفر بشيء من أعمال الذنوب وإن مؤمنا بقلبه وبلسانه يخلد في النار فليس مرجئيا ومن وافقهم على أقوالهم ها هنا وخالفهم فيما عدا ذلك من كل ما اختلف المسلمون فيه فهو مرجيء ومن خالف المعتزلة في خلق القرآن والرؤية والتشبيه والقدر وأن صاحب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر لكن فاسق فليس منهم ومن وافقهم فيما ذكرنا فهو منهم وإن خالفهم فيما سوى ما ذكرنا مما اختلف فيه المسلمون ومن وافق