ومن المجموعة سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك أحد، ولم يقل إلا خيرا لم أر به بأسا، وليس من عمل الناس.
قال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: السلام عليكم يا أهل الديار من PageV03P1052
المؤمنين والمسلمين، فيرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم. ويدل على السلام على القبور ما مضى من السنة في السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقد قدم ابن عمر من سفره وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر له. قال غيره ورثاه فقال:
فإن تك أحزان وفائض دمعة ... جرين دما من داخل الجوف منقعا
تجرعتها في عاصم واحتسبتها ... وأعظم منها ما احتسا وتجرعا
فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا PageV03P1053
[باب-13] في المرأة تموت حاملا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات؟
قال ابن القاسم: ولا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها.
قال ابن القرطي: يدل على ذلك قول الله تعالى: (وتضع كل ذات حمل حملها). ولو قدر النساء على إخراجه برفق من مخرج الولد كان حسنا.
م وهذا من قوله: يرد ما استدل به؛ لأنه إذا كان الواجب أن يترك جنينها في بطنها حتى تضعه يوم القيامة فلا يخرج منها بوجه.
وقال سحنون: سمعت أن الجنين إذا استوقن بحياته، وكان معقولا معروف الحياة فلا بأس أن يبقر بطنها، ويستخرج الولد منها.
قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلا مبقورا على رمكة مبقورة.
قال سحنون: وكذلك يبقر على/ دنانير في بطن الميت. وقال مثله أصبغ في PageV03P1054
العتبية. قال ابن القاسم: وكذلك إذا ابتلع جوهرا لنفسه/ أو وديعة عنده لخوف اللصوص ثم مات فإنه يشق جوفه، ويستخرج ذلك منه. قال ابن حبيب: وهذا عندي غلط شديد، ولا يشق على حال. قال: وإن كان جوهرة تساوي، ألف دينار وأضعاف ذلك. وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كسر عظم المؤمن ميتا ككسره حيا، يعني في الإثم والحرمة، ولقد سألتهم عن المرأة تموت بجمع وولدها يضطرب في بطنها أيشق لاستخراج جنينها. فكلهم قال: لا، ولكن يستأني بها حتى يموت فكيف يشق بجوهرة أو دنانير.؟
م والصواب عندي ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن الميت لا يؤلمه ذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة لخوف وقوع صبي أو أعمى في بئر وقطعها من غير هذا فيه إثم، ولكن أبيح ذلك/ لإحياء نفس مؤمنة، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته لو ترك، PageV03P1055
والواقع في بئر قد يحي لو ترك إلى فراغ الصلاة، فكان البقر أولى. وأما احتجاجه بقول عائشة رضي الله عنها فيحمل ذلك إذا فعله عبثا، وأما لما هو أوجب منه فلا، ألا ترى أن الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عيه ولم يكن إثما في فعل ذلك بنفسه، ولا الأب في ولده ولا السيد في عبده إن فعله بهم جبرا مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت والله أعلم بالصواب.