[الباب الثاني]
في قضاء الورثة أو الوصي بعض الغرماء، وبيعهم التركة
أو أكلها، ثم يطرأ دين بعد ذلك
[الفصل 1 - في قضاء الورثة أو الوصي بعض غرماء الميت]
قال مالك رحمه الله: وإن هلك وعليه ديون للناس، وترك مالا ليس فيه وفاء لديونه، فأخذه الوارث أو الوصي فقضاه بعض غرمائه، فإن لم يعلموا ببقية الغرماء، ولم يكن الميت موصوفا بالدين فلا شيء عليهم، ويرجع الغرماء القادمون على الذين اقتضوا بما كان ينوبهم في المحاصة من المال، وإن علموا بدينه أو كان موصوفا بالدين رجع الغرماء القادمون على الورثة، أو الوصي بحصاصهم، ويرجع الوصي أو الورثة بذلك على الغرماء الذين اقتضوا أولا.
قال ابن القاسم في باب آخر: إذا قضى الورثة من حضر، وهم يعلمون بدين القادم، فإنه إن وجد الغرماء كلهم معدمين رجع على الورثة بما ينوبه من ذلك، ثم يرجع الورثة بما ودوا له على الغرماء الأولين.
م/: وهذا والأول سواء، وإنما أراد أنهم مخيرون بين أن يرجعوا على الورثة أو الوصي، وبين أن يرجعوا على الغرماء الأولين. PageV17P622
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إنه اختلاف قول. وليس ذلك بشيء.
[الفصل 2 - في الورثة يعزلون للدين أضعافه
من الشركة ويبعيونه ليرثوا الباقي]
م/: وعلى ما قال أشهب عن مالك: في الذين عزلوا للدين أضعافه، وباعوا ليرثوا، أن البيع باطل وينقض، وإن قضى الدين؛ لأن البيع على هذا الميراث لا يصح إلا بعد قضاء الدين، فصار بيعا منهيا عنه، فأشبه بيع يوم الجمعة والتلقي وما أشبه ذلك فيجب فسخه؛ لمكان النهي عنه، ولا يجوز في ثمنه ولا في مثمونه، فإن لم يجد مع الورثة ثمنا كان للغرماء أخذ السلعة من أيدي المشترين، إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما في أيديهم، أو ثمنه، أو بعضه إن كان قائما؛ لأن الغرماء لا حق لهم في الأعيان على ما قدمنا أولا، فمتى دفع إليهم أثمانها أوقيمها لم تكن لهم حجة.
قال: وإن لم يعلم الورثة، ولا كان موصوفا بالدين مضى البيع، وأتبع الورثة بالأثمان، ولا سبيل للغرماء على المشتري.
[الفصل 3 - في الغريم الطارئ يخير في الرجوع على الورثة أو على الغرماء الذين
اقتضوا دينهم إذا كان دين الطارئ معروفا أو كان الميت موصوفا بالدين]
م/: قيل: فإذا قضى الورثة من حضر، وهم يعلمون بدين الغائب، أو كان الميت موصوفا بالدين فجعلت القادم مخيرا بين أن يرجع على الورثة، أو على الغرماء الذين اقتضوا، فرجع على الورثة، فأراد الورثة الرجوع على الذين اقتضوا، أو رجع عليهم الطارئ بما ينوبه، فوجد ما قبضوا قد هلك بأمر من الله، أن الطارئ يغرمهم قدر ما ينوبه، كمالو أوقف ذلك ليدفع للحاضرين، ولم يعلموا أن هناك غيرهم فضاع، وجاء آخرون، لرجع الطارئ على الذين أوقف لهم بما ينوبهم في الحصاص، وكأن الأولين قبضوه وأكلوه، PageV17P623
وهو قد ضاع قبل أن يقتضوه على قول من جعل ضمان ذلك ممن أوقف لهم. وكذلك في كتاب محمد.
قال بعض فقهاء القرويين: والأشبه أن يجعل ضمان ما قبضوه منهم بمعنى أن يسقط ذلك في دينهم، إلا أنهم يغرمون ذلك للطارئين، بل يرجع الطارئون علىذمة الميت، وذلك كما لو هلك ذلك بيد الورثة؛ لأنهم لاى يغرمون شيئا، وإنما يرجع الطارئون على ذمة الميت، وذلك كمن اشترى عبدا فمات بيده، ثم قام مستحق له فلا رجوع له على المشتري؛ لأنه ضمنه بالثمن الذي ودى فيه، ويرجع المستحق على الغاصب فيغرمه الأكثر من ثمنه، أو قيمته يوم الغصب، ولا يرجع المشتري على الغاصب، وكذلك الغرماء القابضون لا غرم عليهم، وإنما يحط ذلك من دينهم، كما لا غرم على المستحق، وإنما يحسب ذلك عليه مما دفع من ثمنه، وهذا هو القياس، والجاري على أصولهم.