[الباب السادس]
جامع القول في الاستثناء في الطلاق
[فصل 1 - في تعليق الطلاق بمشيئة الله أو بمشيئة غيره]
ولما أجمعوا أن من نسق يمين الطلاق بفعل كان الحكم لآخر الكلام، كان كذلك الاستثناء فيه.
قال مالك: فمن قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، لزمه الطلاق ولا ثنيا له، لأنه لا علم لنا بمشيئة الله عز وجل، فإذا طلقناها عليه علمنا أن الله عز وجل شاء طلاقها.
قال الشيخ: ولأنا لا نعلم بمشية الله عز وجل، ولما لم يكن لنا طريق إلى علمها غلبنا التحريم، كما إذا اجتمع في شيء الحظر والإباحة غلبنا الحظر.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن شاء فلان، فذلك له؛ لأنه ممن يوصل إلى علم مشيئته، وينظر إلى ما يشاء فلان، فإن مات فلان قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم، أو كان ميتا قبل يمينه، فلا تطلق عليه.
قال الشيخ: لأنه لم يشأ إذا مات قبل أن يشاء.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا قال: أنت طالق إن شاء هذا الحجر، أو الحائط، فلا شيء عليه.
قال الشيخ: لأن هذه الأشياء ليس لها مشيئة فيطلقها بها.
وقال سحنون: يلزمه في الحجر ونحوه ولا ثنيا له، ويحمل على أنه نادم. PageV10P681
قال الشيخ: قال عبد الوهاب: تعليق الطلاق بالمشيئة على ثلاثة أضرب: بمشيئة الله عز وجل، وبمشيئة إنسان، وبمشيئة من لا يشاء كالحجر ونحوه، فأما قوله: أنت طالق إن شاء الله، فلا يؤثر في رفع الطلاق عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لو أثر في ذلك لم يخل أن يكون تأثيره من حيث الشرط أو الاستثناء، فإن كان من حيث الشرط فلا يصح؛ لأنه لا سبيل لنا إلى العلم بحصوله، فإذا كان كذلك فتعليق الطلاق به هزل وعبث، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هزلهن جد، فذكر الطلاق"، وإن كان من حيث الاستثناء فلا يصح أيضا لأن الاستثناء إنما يدخل على مستقبل الأفعال دون ماضيها، وقوله: أنت طالق، إيجاب وإيقاع فلا مدخل للاستثناء فيه.
قال الشيخ: ولأن الاستثناء معنى يحل اليمين المنعقدة كالكفارة، وقد ثبت أنه لا مدخل للكفارة في الطلاق، فكذلك الاستثناء؛ ولأن الكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها تؤثر متصلة ومنفصلة، والاستثناء لا يؤثر إلا متصلا، فإذا لم تعمل الكفارة في الطلاق كان الاستثناء أحرى أن لا يعمل فيه، ولأنه استثناء يرفع جميعه في الحال، فوجب أن لا يعمل فيه، كما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، وأما تعليق الطلاق بمشيئة زيد فيصح؛ لأنه يتوصل إلى علم مشيئته، فكان كسائر الشروط، كقوله: أنت طالق إن دخل زيد الدار ونحوه، وأما الاستثناء بمشيئة الحجر فروايتان: فوجه أن الطلاق يلزمه: فلأنه هزل، ووجه أنه لا يلزمه: PageV10P682
فلأنه عدم الشرط الذي علق الطلاق به، والأول أصح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو كان استثناؤه في يمين بالطلاق على فعل شيء بعد ذكر الفعل أو قبله فلا ثنيا له.
قال الشيخ: وابن الماجشون يرى أن له ثنيا إذا رد الثنيا إلى الفعل دون الطلاق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يبدو لي، لم ينفعه ذلك، فإن ضمنه يمينا فقال: أنت طالق إن فعلت كذا إلا أن يبدو لي، فذلك له، وقوله: إلا أن يبدو لي يريد في ذلك الفعل خاصة، وإن قال: إن شاء الله، لم ينفعه ذلك.
فصل [2 - فيمن طلق واستثنى بعض الطلاق]
ومن كتاب ابن سحنون: فإن قال: أنت طالق الطلاق كله إلا نصفه، أو قال: طالق ثلاثا إلا نصفها، لزمته طلقتان.