أحوال الإنسان في أخلاقه
فإذا وضح ما ذكرناه من أحوال الأخلاق من صلاح وفساد وحمد وذم فليس يخلو الإنسان من إحدى ست أحوال
إحداهن أن تكون أخلاقه كلها صالحة في الأحوال كلها فهي النفس الزاكية وصلاحها هو الخير التام وصاحبها هو السيد بالاستحقاق فيحفظ صلاح أخلاقه كما يحفظ صلاح جسده ولا يغفل عن مراعاتها ثقة بصلاحها فإن الهوى مراصد والمهمل معرض للفساد
قال بعض الحكماء
النفس عروف عزوف ونفور ألوف متى ردعتها ارتدعت ومتى حملتها حملت وإن أهملتها فسدت
قال علي بن عبيدة الريحاني
إن من شأن النفس أنها كلما أعطيت رخصة في الغفلة والنسيان ازدادت أكثر مما أعطيت وردها قبل العادة أهون من ردها بعد الحاجة
ولذلك قالت العرب في أمثالها
لو نهيت الأولى لانتهت الأخرى
قال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم
إن الولاة جعلوا العيون على العوام وأنا أجعلك عينا على نفسي فإن سمعت كلمة وبخني عليها وفعالا لا تحبه مني فعظني عنده
والاستظهار بمثل 8 آهذه الأحتياط
قال بعض الحكماء
إن للناس أفهاما يحفظون عليك أفهامك فربما ذكروك ما قد أنسيت وأتاك عنهم ما قد سقط عن علمك فعلى حسب ذلك فليكن حذرك من ذمهم وقهرك لهم بصيانة نفسك عندهم
والحال الثانية
أن تكون أخلاقه كلها فاسدة في الأحوال كلها فهي النفس الخبيثة وفسادها هو الشر التام وصاحبها هو الشقي بالاستحقاق فيعالج فساد نفسه كعلاج مرض جسده وهو أصعب أحوالها علاجا وأبطؤها صلاحا لأنها تنتقل إلى ضد بغير ضد وترد عن طبع بغير طبع
قال بعض الحكماء
لا مرض أوجع من قلة العقل
ولأن يداوي المرء عقله من الجهل أحرى به أن يداوي بدنه من المرض فتلين بشماسها وتتدرج في مراسها لينقلها بالتدريج عن أحوال متقاربة إلى غاية متناهية
فرائض الفيل الوحشي يقوده بالتدريج إلى ضد طباعه قال الشاعر
(والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع) // من الكامل // فيحكم العقل عليها فكفى به مدبرا ناصحا وسفيرا مصلحا كما قيل
القلوب خواطر بالهوى
والعقول تزجر وتنهى
وفي التجارب علم مستفاد والاعتبار يفيدك الرشاد وكفاك أدبا ما تكره من غيرك فعظ نفسك بالعبرة
وقيل لبعض الحكماء متى بدأت بطلب الشرف والفضل فقال منذ الوقت الذي بدأت فيه بمعاتبة نفسي على ما أنا فيه من القبائح
والحال الثالثة
أن تكون أخلاقه صالحة في كل الأحوال فتنقلب كلها إلى الفساد 8 ب في كل الأحوال فهو المستعاذ به من الحور بعد الكور
وليس تكون إلا عن أسباب ناقلة لا تنفك فيها من أحد ثلاثة أمور إما من سوء منشأ
وإما من غلبة شهوة
وإما من إهمال وقلة تحفظ
فيعالجه بالضد من سببه فان في صلاح الطبع عونا على فساد الاكتساب ولن يستصعب انقياد طبع طرأ عليه عارض
قال الشاعر
(وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أعطيت تاقت وإلا تسلت) // من الطويل //
ولئن تغير الطبع بالإهمال فهو إلى أصله أبرع وإذا أنقصته الحمية كان إلى الاستقامة أسرع
قال بزرجمهر
من طباع النفس استدامة المعاذير لصاحبها فيما مضى والوجالة فيما بقى
فليعلم العاقل أنها إن سهلت له العذر في قبيح أتاه أنه قد اكتسب في قبوله فيها مثله
قال الشاعر
(وإن امرءا لا ينتهي عن غواية ... إذا ما اشتهتها نفسه لجهول) // من الطويل //
والحال الرابعة
أن تكون كل أخلاقه فاسدة في كل الأحوال فتنقلب إلى الصلاح في كل الأحوال فما ذاك إلا لداع غلب على الطبع فاجتذبه وقوي عليه حتى قلبه فيراعي حفظ أسبابه وتقوية مواده ولا يغفله فيجذبه الطبع كما اجتذبه فإن نوازع الطباع أجذب وهي إلى ما ناسبها أقرب وقليل لفساد صلح أن يكون محفوظ الصلاح