فإذا اقتدى فيه بأمره وقام فيه بحقه وأنصف فيه من نفسه وحسم مواد الظلم وكف عوادي الغلبة وتناصف الناس إذا أنصفوا رغبا ورهبا
وقد قيل في منثور الحكم
من جارت قضيته ضاعت رعيته
وسأل ملك ناسكا عن الإخلاص فقال الناسك ثلاث
أعدل في القضية
واقسم بالسوية
واعدد نفسك واحدا من الرعية
وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه
يا أبه ما السياسة
قال هيبة الخاصة مع صدق محبتها واستمالة قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنائع فإن شكرها لأقرب الأيدي لها
ويتعهد حال الفقير منهم بالبر والصدقة ويراعي خلة الكريم منهم بالرفد والصلة فإن إحسانه إلى الفقير يشكره عليه الأغنياء فلقل شكر وقف على الشاكر إلا تعداه ولقل بر اختص بالمبرور إلا تخطاه
كان الموبذان إذا دخل على أنو شروان يقول
يا ملك استدم النعم بالعطف على الرعية وأهن طعامك بإشباع
(60) ب الجائع وراء بابك وأنصف الناس من نفسك وأعط الحق منك يتعاطاه الناس وراء بابك واحذر النساء ولا تفتح للسعاة طريقا
وقيل في منثور الحكم
بالراعي تصلح الرعية وبالعدل تملك البرية
وينبغي للملك أن يميز أخبار رعيته فيخصهم بالإكرام والتقريب ويقمع أشرارهم بالإبعاد والتأديب ليرغبوا في منازل الأخيار ويقلعوا عن أخلاق الغاغة الأشرار فإن لم يكونوا على الخير مطبوعين صاروا به متطبعين فقد يضعف الطبع بالتطبع وإن لم يزل وتتغير الأخلاق بالتصنع وإن لم تحد فقد قيل
ليس في الطبع أن يكون ما ليس في التطبع
وفرق ما بينهما إن الطبع جاذب متفاعل والتطبع مجذوب مفتعل تتفق نتائجها مع التكلف ويفترق تأثيرها مع الاسترسال فيظهر الطبع ويزول التطبع
وتعليل هذا الفرق يقتضي أن يأمن أهل الورع والسلامة خوف عقوبته اكتفاء بزواجر طباعه في الخير ويخاف أهل البذاء والزعارة بادرة سطوته ليكون الخوف زاجرا لطباعهم عن الشر فيشاكل الفريقين في طلب الخير وتوقى الشر طبعا وتطبعا فإنه مندوب إلى صلاح المهج وتقويم العوج
قال بعض الحكماء
انقياد الأخيار بحسن الرغبة وانقياد الأشرار بطول الرهبة
ووقع أنوشروان إلى عماله
تفقدوا أمور الرعية فسدوا فاقة أحرارها وامنعوا بطر أشرارها فإنما يصول الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع
وقيل
من أبطرته النعمة وقره زوالها
قال الشاعر 61 آ
(إذا كنتم للناس في الأرض سادة ... فسوسوا كرام الناس بالحلم والبذل)
(وسوسوا لئام الناس بالذل وحده ... جميعا فإن الذل يصلح للنذل) // من الطويل //
ويراعي أهل النسك والصلاح يؤدي حق الله تعالى فيهم وحق نفسه في موافقتهم يجل أقدارهم ويعظم أخطارهم لأنهم أهل الآخرة التي هي أشرف من الدنيا دارا وأعز منها جوارا ليعترف لله بحقوق أوليائه وللدين بحقوق زعمائه فإن من الديانة إعظام أهل الدين وأن يرجع إليهم في ما أمروا به ونهوا عنه
وليصلح من دينه ما اختل ومن دنياه ما اعتل فإنهم لا يأمرون إلا بطاعة ولا ينهون إلا عن معصية
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
(استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا)
وأن يتقرب إليهم بطاعة الله في خلقه والقيام فيهم بحقه ليكونوا له حزبا وعلى أعدائه إلبا يملك بهم القلوب ويستدفع بهم الخطوب فقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل يعمل العمل لله تعالى ويحبه للناس
فقال
(تلك عاجل البشرى إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله تعالى فانظروا ما يتبعه من ثناء الناس)