<div dir="rtl" id="book-container">
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لدينه القويم ومن علينا بكتابه المبين، وخصه بمعجز دل على تنزيله، ومنع من تبديله، وبين به صدق رسوله، وجعل ما استودعه على نوعين: ظاهرا جليا وغامضا خفيا يشترك الناس في علم جلية ويختص العلماء بتأويل خفية حتى يعم الإعجاز، ثم يحصل التفاضل والامتياز.
ولما كان ظاهر الجلي مفهوما بالتلاوة، وكان الغامض الخفي لا يعلم إلا من وجهين: نقل واجتهاد جعلت كتابي هذا مقصورا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه، وجعلته جامعا بين أقاويل السلف والخلف، وموضحا عن المؤتلف والمختلف، وذاكرا ما سنح به الخاطر من معنى يحتمل، عبرت عنه بأنه محتمل، ليتميز ما قيلب مما قلته ويعلم ما استخرج مما استخرجته.
وعدلت عما ظهر معناه من فحواه اكتفاء بفهم قارئه وتصور تالية، ليكون أقرب مأخذا وأسهل مطلبا.
وقدمت لتفسيره فصولا، تكون لعمله أصولا، يستوضح منها ما اشتبه تأويله، وخفي دليله، وأنا أستمد الله حسن معونته، وأسأله الصلاة على محمد وآله وصحابته.
<div dir="rtl" id="book-container">
أسماء القرآن
سمى الله القرآن في كتابه بأربعة أسماء:
أحدها: القرآن، قال الله عز وجل: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن}.
والثاني: الفرقان قال الله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده}.
والثالث: الكتاب قال الله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب}.
والرابع: الذكر قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر}.
فأما تسميته بالقرآن ففيه تأويلان:
أحدهما: وهو قول عبد الله بن عباس، مصدر من قولك قرأت أي بينت، استشهادا بقوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} يعني إذا بيناه فاعمل به.
<div dir="rtl" id="book-container">
والتأويل الثاني: وهو قول قتادة، أنه مصدر من قولك قرأت الشيء، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، لأنه آي مجموعة، مأخوذ من قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، أي لم ينضم رحمها على ولد، كما قال عمرو بن كلثوم:
(تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا)
(ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنبينا)
أي لم تضم رحما على ولد، ولذلك سمي قرء العدوة قرءا لاجتماع دم الحيض في الرحم.
فأما تسيمته بالفرقان، فلأن الله عز وجل فرق بين الحق والباطل، وهو قول الجماعة، لأن أصل الفرقان هو الفرق بين شيئين.
وأما تسميته بالكتاب، فلأنه مصدر من قولك كتبت كتابا، والكتاب هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة ومتفرقة، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا، كما قال الشاعر:
(تؤمل رجعة مني وفيها ... كتاب مثل ما لصق الغراء)
يعني مكتوبا، والكتابة مأخوذة من الجمع من قولهم: كتبت السقاء، إذا جمعته بالخرز قال الشاعر:
(لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسياد)
وأما تسميته بالذكر، ففيه تأويلان:
أحدهما: أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده، وعرفهم فيه فرائضه وحدوده.
والثاني: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وصدق بما جاء فيه، كما قال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} يعني أن شرف له ولقومه.
<div dir="rtl" id="book-container">
أما التوارة، فإن الفراء يجعلها مشتقة من قولهم: وري الزند إذا خرج ناره، يريد أنها ضياء.