بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الحق معزا لمن اعتقده وتوخاه ومعينا لمن اعتمده وابتغاه وجعل الباطل مذلا لمن آثره وارتضاه ومذلا لمن أظهره واقتفاه واختص ملك الملوك بهاء الدولة وضياء الملة وغياث الأمة باعتقاد الحق واجتناب الباطل حتى تمكن من نواصي من راده ومانعه وجعل له من ولده سندا يظاهره وعضدا يؤازره
فالحمد لله حمدا يوازي جميل نعمه ويضاهي جزيل قسمه وصلى الله على بشير كل تقي مهتد ونذير كل معتد محمد وآله وصحابته هداة الصالحين الأخيار وعداة الطالحين الأشرار وسلم كثيرا
أما بعد فإن الله سبحانه ببليغ حكمته وعدل قضائه جعل الناس أصنافا مختلفين وأطوارا متباينين ليكونوا بالاختلاف مؤتلفين وبالتباين متفقين واختص منهم راعيا أوجب عليه حراسة رعيته وأوجب على الرعية صدق طاعته وجعله الوسيط بينه وبين عباده ولم يجعل بينه وبينهم أحدا سواه فكان ملك الملوك بهاء الدولة ممن خصه الله باسترعاء خلقه واستودعه حفاظ حقه
وجعلنا أهل طاعته نتمسك بعصم الموالاة ونمت بإخلاص المصافاة وأخلص الرعية من كان لحق الرعية مذكرا وبحق سلطانه معترفا وقد دعاني صدق الطاعة إلى إنشاء كتاب وجيز ضمنته من جمل السياسة ما إن كان الملك قد حاز علم أضعافه بحسن بديهته وأصيل رأيه فإني لن أعدم أن أكون قد أديت من لوازم الطاعة أم يحسن موقعه إن شاء الله عز وجل
وقسمته بابين
الباب الأول في أخلاق الملك
الباب الثاني في سياسة الملك
وترجمته بدرر السلوك في سياسة الملوك إذا كان ما تضمنه داعيا إليه وحاثا عليه وأنا أسأل الله تعالى حسن المعونة والتوفيق وإليه أرغب في إمدادي بالرشد والتسديد وهو حسبي ونعم الوكيل
الباب الأول في أخلاق الملك
الأخلاق بين المدح والذم
اعلم أن الإنسان مطبوع على أخلاق قل ما حمد جميعها أو ذم سائرها وإنما الغالب أن بعضها محمود وبعضها مذموم قال الشاعر
(وما هذه الأخلاق إلا طبائع ... فمنهن محمود ومنها مذمم)