[شرح صحيح البخارى لابن بطال]
المؤلف: ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: 449ه)
تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم
دار النشر: مكتبة الرشد - السعودية / الرياض
الطبعة: الثانية، 1423ه - 2003م
عدد الأجزاء: 10
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم)
وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) [هود: 88]
$ 1 - [كتاب بدء الوحى]
- باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقول الله عز وجل: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) [النساء: 163]
/ 1 - فيه: عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، قال النبى (صلى الله عليه وسلم) : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه -. قال المؤلف: قال لى أبو القاسم المهلب بن أبى صفرة، رحمه الله: معنى هذه الآية أن الله تعالى أوحى إلى محمد، عليه الصلاة والسلام، كما أوحى إلى سائر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قبله وحى رسالة، لا وحى إلهام، لأن الوحى ينقسم على وجوه. قال: وإنما قدم البخارى، رحمه الله، حديث تمت الأعمال بالنيات - فى أول كتابه، ليعلم أنه قصد فى تأليفه وجه الله، عز وجل، ففائدة هذا المعنى، أن يكون تنبيها لكل من قرأ كتابه، أن يقصد به وجه الله تعالى كما قصده البخارى فى تأليفه.
وجعل هذا الحديث فى أول كتابه عوضا من الخطبة التى يبدأ بها المؤلفون، ولقد أحسن العوض من عوض من كلامه كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذى ما ينطق عن الهوى. وقال جماعة من العلماء: إن هذا الحديث ثلث الإسلام، وبه خطب النبى (صلى الله عليه وسلم) حين وصل إلى دار الهجرة وشهر الإسلام. وقال أبو عبد الله بن الفخار: إنما ذكر هذا الحديث فى هذا الباب، لأنه متعلق بالآية التى فى الترجمة، والمعنى الجامع بينهما أن الله، عز وجل، أوحى إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) وإلى الأنبياء قبله أن الأعمال بالنيات، والحجة لذلك قول الله، عز وجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) [البينة: 5] . وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين) [الشورى: 13] . وقال أبو العالية: فى هذه الآية وصاهم بالإخلاص لله، عز وجل، وعبادته لا شريك له. وقال مجاهد فى قول الله تعالى: (ما وصى به نوحا) ، قال: أوصاك به وأنبياءه كلهم دينا واحدا. وقال أبو الزناد بن سراج: إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر
الأشياء فى هذا الحديث، لأن العرب فى الجاهلية كانت لا تزوج المولى العربية، ولا يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء فى النسب، فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين فى مناكحهم، وصار كل واحد من المسلمين كفئا لصاحبه، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة، ليتزوج بها، حتى سمى بعضهم مهاجر أم قيس. / 2 - وفيه: عائشة، رضى الله عنها، أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : تمت أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على، فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى، فأعى ما يقول -. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا. / 3 - وفيه: عائشة، أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، ويتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو فى غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ،