آداب الخدمة
إذا دخل الداخل إلى حضرة الخليفة من أمير أو وزير أو ذي قدر كبير فلم يكن من العادة القديمة ان يقبل الأرض لكنه إذا دخل ورأى الخليفة قال: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمت الله وبركاته بكاف المخاطب فإنه أشفى وأبلغ وأولى وأوقع. ومتى سلم بالكناية جاز ان يكني في قوله فمن ها هنا وجبت الكاف وربما تقدم الوزير أو الأمير فأعطاه الخليفة يده مغشاة بكمه إكراما له بتقبيلها واختصاصا بهذه الحال الكبير محلها. والعلة في ان يغشيها بكمه لئلا يباشرها فم أو شفة وقد عدل عن ذاك إلى تقبيل الأرض واشترك اليوم فيه كل الناس فأما ولاة العهود من أولاد الخلفاء والأهل من بني هاشم والقضاة والفقهاء والزهاد والقراء فما كانوا يقبلون يدا ولا أرضا لكنهم يقتصرون على السلام كما ذكرنا وربما خطب قوم منهم بثناء ودعاء وقد اختلطوا الآن بالطائفة التي تقبل الأرض إلا الأقل ممن أقام على التورع من هذا الفعل وأما أوساط الجند ومن
دونهم وعوام الناس ومن لا رتبة له منهم فمنكر منهم تقبيل الأرض لأن منزلتهم تقصر عن ذاك ومن أولى الأفعال بالوزراء ومن هو في طبقتهم ان يدخل إلى حضرة الخليفة نظيفا في بزته وهيئته وقورا في خطوة ومشيته متبخرا بالبخور الذي تفوح روائحه منه وينفح طيبه من أردانه وأعطافه وأن يتجنب منه ما يعلم أن السلطان يكرهه ويأبى شمه كما لحق إبراهيم بن المهدي مع المعتصم بالله رحمت الله عليهما فإن إبراهيم كان يكثر استعمال الغالية ويتغلف منها في كل يوم بمقدار أوقية في رأسه ولحيته ويسرح شعره فتختبىء في أثيابه وبين طاقاته وكان المعتصم يجتوي رائحتها ولا يستطيع الصبر عليها ويقاسي من اجلاسه إلى جانبه ما يتكلفه ولا يبوح به فلما زاد ذلك عليه أجلس علي بن المأمون فيما بينه وبينه فثقل فعله على إبراهيم وضاق صدره به ولم يعرف السبب فيه إلى ان جاءه مخارق المغني فأعلمه ان
وصيفا دخل على المعتصم بالله وأكب على رجله يقبلها فدفعه وقال له: أردت ان تتشبه بإبراهيم وعم أمير المؤمنين في الغالية ووالله ما احتملت ذلك منه حتى باعدت مجلسه مني فعرف حينئذ العلة فيما عامله به وتمارض نحو شهر ثم ركب ودخل على المعتصم بالله رحمت الله عليه فسأله عن حالة وأقبل يجيبه بانكسار فقال له: أراك معافى فما هذا الإنكسار قال: من فعل الغالية يا أمير المؤمنين وما كنت أتغلف به منها وقد نهاني الطب الآن عنها فقال له: اقبل قولهم فلك في غيرها من الطيب مندوحه وتركها ورجع إلى منزله في الجلوس وان يواصل السواك ويحفظ لهواته عند المناجاة والمحاورة ويجعل بين ثيابه شتاء وصيفا جبة فيها قطن يمنع من ظهور العرق.
وليس للوزير ولا حاضر في ذلك الموقف ان يذكر شيئا إلا ما يسأل عنه أو يورد قولا في أخبار أو مطالعة إلا ما استأذن فيه وسبيله ان يخفض صوته في حديثه ومحاورته ولا يرفعه إلا بقدر السماع الذي لا يحتاج معه إلى استفهامه واستعادته وحدثني إبراهيم بن
هلال جدي قال: دخل الحسن بن محمد المهلبي يوما في وزارته لمعز الدولة إلى حضرة المطيع صلوات الله عليه وجرى بينهما خطاب علا صوت المهلبي فيه فغضب المطيع وقال له: يا كلب ترفع صوتك بين يدي وأمر به فأخرج مجذوبا بيده ومدفوعا في ظهره وجلس في الدهليز وقال: انا خادم ولم يكن ما أنكر مني عن عمد أو سوء أدب وانما صوتي جهير وكان ما كان من كلامي على هذا الأصل ومتى انصرفت على هذه الجملة التي لا تخفى وهن جاهي ووقف أمري وتنكر لي صاحبي ولم يزل يسأل ويضرع إلى ان أذن له في العود إلى حضرة المطيع صلوات الله عليه ودخل واعتذر وخاطبه بما سكن به منه وسبيله ان يقل الالتفات إلى جانبيه وورائه والتحريك ليده أو شيء من أعضائه أو رفع رجل للاستراحة عند اعيائه وأن يغض طرفه عن كل مرأى إلا شخص الخليفة وحده ومخارج لفظه وألا يسار أحدا في مجلسه ولا يشير إليه بيده ولا عينيه ولا يقرأ رقعة ولا كتابا يوصلان إليه بين يديه إلا ما احتاج إلى قراءته عليه وأذن له فيه ولا يخاطب من يخاطبه في تعرف أمر منه أو إقامة حجة عليه إلا بأخف الألفاظ وأشد الاستيفاء وان يجعل وقوفه من أول مدخله وإلى حين مخرجه في موضع رتبته من غير أن يتجاوزه إلى ما فوقه أو دونه اللهم إلا ان يدعوه الخليفة إلى سر