الخطبة على المنابر
أما ما كان يخطب به على المنابر للخلفاء فأن يقال في الخطبة الثانية بعد الجلسة وبعد إعادة حمد الله والصلاة على محمد اللهم واصلح عبدك وخليفتك عبد الله ويذكر الاسم واللقب الإمام أمير المؤمنين بما أصلحت به الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين الذين يقضون بالحق وبه كانوا يعدلون اللهم أعنه على ما طوقته وبارك له فيما أعطيته واحفظ له ما استرعيته واجعله لأنعمك من الشاكرين ولالإئك من الذاكرين.
وأما أمراء الحضرة فلم تجر العادة بذكرهم على منابرها وإنما كان يخطب لهم على منابر البلاد البعيدة الجارية في ولاياتهم وقد كان محمد بن ياقوت أيام استيلائه وافق الخطباء بمدينة السلام وهم حمزة بن القاسم بن عبد العزيز أمام المسجد بالمدينة وعبد الله بن الفضل بن عبد الملك أمام المسجد المتصل بدار الخلافة وأحمد بن الفضل بن عبد الملك أمام المسجد بالرصافة على ان يدعوا له ويذكروه في الخطبة بعد الدعاء للراضي بالله رحمت الله عليه ففعلوا ذاك في يوم جمعة وعرفه الراضي فأنكره وأمر بصرفهم عما كانوا مرسومين به وأقام غيرهم مقامهم فيه وقد ذكر ناصر الدولة ابن حمدان في الخطبة عند كونه بالحضرة في جمع كثيرة ذكرا افتتح بذكر مؤازرته للسلطان ومدافعته عنه ثم وصل الدعاء باسمه ولقبه واسم أبيه ولم يكن ذاك على قاعدة
مستقرة ولا أمر خرج من حضرة السلطان فلما ورد عضد الدولة وملك الأمور وتقرب إليه الخواص والعوام ذكره هرون بن المطلب الخطيب في المسجد الجامع بالرصافة بما قال فيه: الحمد لله المحمود ببلائه المعبود في أرضه وسمائه الذي من علينا بخلافة الإمام الطائع لله وجميل رأيه في عضد دولته وتاج ملته وكهف خلافته وسيد أمرائه ومن فتح الله على يديه ما استصعب من البلدان بقتل أعدائه وحسن سياسته لطاعة أوليائه ومن مدحه الله كما مدح سلالة أبنائه فقال في محكم كتابه (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكان وهم راكعون) (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون) الذي عمر المساجد وحفر الانهار وسعى بالصلاح في جميع الأمصار وقام بحق الله في الليل والنهار فقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك ان يكونوا من المهتدين) فابتهلوا إلى الله شاكرين واكثروا من الدعاء لأمير المؤمنين ولعضد دولته وتاج ملته السيد الأمين الذاب عن الحريم والفزع من المسألة عن النعيم (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) قال الله أصدق القائلين (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وطاعة أمير المؤمنين الطائع لله
مرضاة لربكم ومثراة في أموالكم وأولادكم وأطيعوا لعضد دولته ترشدوا واتبعوا تاج ملتكم تهتدوا وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وتمم الخطبة وكان فعل هرون بن عبد المطلب ذلك على غير أصل وعرفه عضد الدولة فراسل الطائع لله وسأله التقدم بذكره في الخطبة ففعل وجرت الحال عليه إلى هذه الغابة.