الدعاء للمكاتبين عن الخلفاء وما كان الرسم أولا جاريا به وانتهى أخيرا إليه
كان أجل منازل الدعاء للأمراء عن الخلفاء: أحسن الله حفظك وحياطتك وأمتع أمير المؤمنين بك وبالنعمة فيك وبه كان يدعى لولاة العهود ولأمراء بني بويه رضي الله عنهم ويقال في الفصول: أمتع الله بك وأحسن الله امتاع أمير المؤمنين بك وكلأك الله ورعاك الله
ودون ذلك لولاة خراسان وأصحاب الإطراف: أحسن الله حفظك وحياطتك وأمتع بك ويدعى لهم في الفصول بكلأك الله وحاطك الله وتولاك الله فلما توفي ركن الدولة ووقعت المباينة بين عضد الدولة وعز الدولة كتب عن الطائع لله كتاب تولى انشاءه إبراهيم بن هلال جدي عظم فيه عز الدولة وجعل له التقدم بعد ركن الدولة وقرر له الدعاء في صدره بأطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك وامتع أمير المؤمنين بك وبالنعمة فيك وفي الفصول والذكر بأيده الله
وكانت نسخة ما نفذ إلى عضد الدولة في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الكريم الإمام الطائع لله أمير المؤمنين إلى عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة أبي علي مولى
أمير المؤمنين: سلام عليك: فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو ويسأله ان يصلي على محمد عبده ورسوله أما بعد: احسن الله حفظك وحياطتك وأمتع أمير المؤمنين بك وبالنعمة فيك فإن من سنن العدل التي يؤثر أمير المؤمنين ان يحييها وآداب الله التي يرى ان يأخذ بها ويقتفيها: إثابة المحسن بإحسانه والإيفاء به على أقرانه والمجازاة له عن راشد مساعيه وصائب مرامية بما يكون قضاء لما اسلف وقدم وكفاء لما أكد وألزم واضعا ذلك مواضعه ومطبقا فيه بين أولياء دولته وانصار دعوته بحسب الذي عرف من مقامات بلائهم وشهر من مواقف غنائهم فلا يستكثر جزيلا استحقه أكابرهم ولا يحتقر قليلا استوجبه اصاغرهم شحذا لبصائرهم في طلب الغايات وبعثا على ادراك النهايات وتوفيه لهم ما صار في ضمنه من اطالة أيديهم إلى ما تصدوا لنيله وتقديم أقدامهم إلى حيث هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وعلى مثله استمرت سيرة السلف الصالح من أمراء المؤمنين وأئمة المسلمين الذين أمير المؤمنين متبع لدليلهم وحاذ على تمثيلهم وذاهب على آثارهم في كل غرس غرسوه وبناء أسسوه ومفخرة أثلوها ومكرمة أصلوها وأمير المؤمنين يستمد الله في ذلك هداية تؤديه إلى المقصد وتوصله إلى المعتمد وأصالة تؤمنه من غلط الرأي وخطأ الاختيار ومعونة تفضي به إلى سداد المنحى وأصابة المغزى وما توفيق أمير المؤمنين الإ بالله عليه يتوكل وإليه ينيب وقد علمت رعاك الله وعلم غيرك بعين ما ادركته الأعمار وسماع ما نقلته الأخبار: ان الدولة العباسية التي رفع الله عماد
الحق بها وخفض منار الباطل لها لم تزل على سالف الأيام ومتعاقب الأعوام تعتل طورا وتصح أطوارا وتلتاث مرة وتستقل مرارا من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع وبنيانها ثابت لا يتضعضع فإذا لحقها الالتياث وحدثت فيها الإحداث كان ذلك على سبيل التقويم والتأديب والإصلاح والتهذيب لمعشر كانوا كالانعام رتعوا في أكلائها سائمين ولهوا عن شكر الائها ذاهلين فيوقظهم الله من تلك السنة وينهضهم عن مضاجع الغفلة ويجعل ما يحله بهم في خلال ما يضطرب من دهمائهم ويشتد من لأوائهم عظة لهم ان امتدت بهم السنون أو لغيرهم ان اخترمتهم المنون حتى إذا انتهت هذه الحال إلى حيث أراد الله بهم من الكف والردع وسببه لهم من النفع والصنع بعث لاقرار الأمر في نصابه وحفظه على أصحابه وليا نجيبا من أوليائهم وعبدا مخلصا من أصفيائهم فلا تلبث ان تعود الدولة على يده غضة العود معتدلة العمود جديدة اللباس متينة الأمراس وهنالك يكذب الله آمال المعاندين ويخيب ظنون المحادين ويردهم بغصة الصدور وشجى النحور ويكون النفر الذين تجرى هذه المنقبة على أيديهم وتتم النعمة فيها بمساعيهم أعيانا لتلك العصور وولاة فيها على الجمهور وكالشركاء للأئمة المساهمين وذوي اللحمة المناسبين. وتلك كانت منزلة معز الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين نفعه الله بما توفاه عليه من عز الطاعة ونظم ألفة الجماعة والاجتهاد فيما رب الدين ولمه وتلافى نشره وضمه فانه لبس الأمر وقد دب الفساد فيه وصدئت بصائر أهلية وصار حظهم منتهيا مضاعا وفيئهم مقتسما