الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، قرأت على الشيخ الإمام جمال الإسلام، العالم، الحافظ، الفقيه النبيه شرف الدين أبي الحسن علي ابن القاضي الفقيه الأنجب الوجيه أبي المكارم المفضل بن علي بن المفرج المقدسي، حرسه الله وأحسن عقباه، سمعت الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين شيخ الأئمة أبا طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني، بقراءتي عليه في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة يقول: سمعت القاضي أبا الفتح إسماعيل بن عبد الجبار بن محمد الماكي بقراءتي عليه من أصله العتيق بقزوين سنة إحدى وخمسمائة في صفر يقول: سمعت أبا يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي الحافظ إملاء قال: الحمد لله ولي الطول والإحسان , العظيم الفضل والامتنان , الذي خصنا بالعلم تشريفا , ونزهنا عن الجهل تكريما , وآتانا بصيرة توصلنا بها إلى
معرفة وحدانيته , وتصديق أنبيائه , وعرفنا عموم النفع دينا ودنيا , على ألسنة رسله وأوليائه , وصلى الله على محمد المرسل بالفرقان , المبين البرهان , الواضح التبيان , خاتم النبيين وخير البشر والمرسلين , وعلى أصحابه المنتخبين , وأهل بيته الطاهرين , وأزواجه أمهات المؤمنين , وعلى التابعين لهم بإحسان. أما بعد: فإن أجل العلوم بعد معرفة الله سبحانه , ومعرفة رسوله وملائكته , وأولاها بصرف الهمم إليه , وأعظمها مثوبة لديه: هو الفقه في الدين , من علم الظاهر والغامض من الأحكام في الحلال والحرام , والأوامر , والزواجر , والمحبوب , والنوافل , والمندوب , وهي الأعمال التي من تعاطاها , وعلمها , وأخذ بها , أوصلته إلى جوار الله تعالى , والجنات الطيبة في دار القرار , ووقي فتنة القبر , وعذاب النار. قال الله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} [سورة:] ثم إن الله تعالى أنزل كتابه الكريم تبيانا لكل شيء , فمنه ما بينه فيه نصا , ومنه ما أجمل فيه , وبين كيفيته على لسان نبيه عليه السلام , ومنه ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء , بقول أو فعل , فكان رسما مرتسما , وشرعا متبعا , قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم
الآخر} [سورة: الأحزاب، آية رقم: 21] وقال: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} [سورة: آل عمران، آية رقم: 132] وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [سورة: النساء، آية رقم: 115] فجمع بين مشاققة الرسول , ومخالفة سبيل المؤمنين في إلحاق الوعيد بفاعلهما , فصار إجماع الصحابة والتابعين , وأهل كل عصر من المؤمنين أحد ما تؤخذ منه الأحكام , وتحرم مخالفته. فما جاوز هذه الأركان الثلاثة التي هي الأصول من الحوادث فقد فوضه إلى اجتهاد العلماء امتحانا منه , وتفضلا بإعظام الأجر لمن أصاب حكمها عنده. قال الله سبحانه: {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} [سورة: آل عمران، آية رقم: 154] فلما كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأقاويل الصحابة الذين شاهدوا الوحي والتنزيل ركنين لشرائع الإسلام , والمرجع بعد الكتاب في الأحكام , وكان الوصول إليهما , وصحة موردهما بالنقلة والرواة , وكانوا المرقاة في معرفتهما , وهو الإسناد , وما قاله الشافعي رضي الله عنه: «مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد مثل حاطب ليل لعل فيها أفعى تلدغه , وهو لا يدري»