الباب الثالث: الكتاب المحقق
مقدمة المؤلف
...
القسم الثاني: الكتاب المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد (المغدى) 1 بن عبد الله الأيوبي، قلت: أخبركم الشيخ الإمام العارف أبو محمد المبارك بن المبارك بن علي ابن نصر السراج، قراءة عليه وأنا أسمع، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة من سنة خمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد الأصفهاني2 قال: ناولني الشيخ العالم أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوايلي السجستاني3 الحافظ رحمه الله. قال:
(مقدمة المؤلف)
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله أجمعين.
أما بعد:
فقد ذكر لي عنكم، وفقنا الله وإياكم لمرضاته وقوفكم PageV01P113
على كتاب (الإبانة) 1 الذي ألفته في الرد على الزائغين2 في مسألة القرآن، وأنكم وجدتم المخالفين ببلدكم3/ يشغبون4 عند ذكر الحرف والصوت، وأنه قد صعب عليكم تجريد القول فيهما، واستخراج ذلك من الكتاب لكثرة الأسانيد المتخللة5 للنكت التي تحتاجون إليها، وسألتم إفراد القول في هذا الفصل بترك الأسانيد، ليسهل عليكم الأخذ بكظم6 PageV01P114
المخالف، (ورد الإسناد معه) 1 وسامحت نفسي2 بذلك، رجاء وصولكم إلى طلبتكم، وحصول العلم لكم بفساد مذهب الخصم، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب3 PageV01P115
والقلانسي1 والصالحي2 والأشعري3. وأقرانهم الذين يتظاهرون PageV01P116
بالرد على المعتزلة1 وهم معهم بل أخس حالا منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا ذا تأليف واتساق2 وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات3 وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة.
وقالت العرب4: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى [4 – أ] فالاسم PageV01P117
مثل: زيد، وعمرو، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.
فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا1 فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علما2 وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف، وصوت، ويدخله التعاقب، والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون. وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.
قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له أحدثه وأضافه إلى نفسه. كما تقول: عبد الله، وخلق الله وفعل الله.
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام/ لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها وتسليمهم العنان3 إلى مجرد العقل، فالتزموا ما PageV01P118