الجزء الأول
ورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ثغر الحدث في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما تداخلها من القلق والانزعاج والوهم في تمام بنائه على يد سيف الدولة؛ لأن ملكهم لزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغار والروس والصقالبة وغيرهم، وأنفذ معهم العدد، فركب سيف الدولة لوقته نافرا، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، فنظر فيها يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء، فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه؛ لضبطهم الطرق، فلما أسحر لبس سلاحه، وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفا، فلما قرب من الحدث، عادت إليه الطلائع فأخبرته بأن عدو الله لما أشرفت عليه خيول سيف
الدولة على عقبة يقال لها العيراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار خوفا من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه، فلم يمكن الله من نصره عليهم إلا في نقوب نقبوها، فأتتهم طلائع بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت الصيحة فيهم وظهر الاضطراب، وولى كل فريق على ودهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم، وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم، فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه:
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
شرف ينطح النجوم بروقي ... ه وعز يقلقل الأجبالا
حال أعدائنا عظيم وسيف الد ... ولة ابن السيوف أعظم حالا
كلما أعجلوا النذير مسيرا ... أعجلتهم جياده الإعجالا
فأتتهم خوارق الأرض ماتح ... مل إلا الحديد والأبطالا
خافيات الألوان قد نسج ... النقع عليها براقعا وجلالا
حالفته صدورها والعوالي ... ليخوضن دونه الأهوالا
ولتمضن حيث لا يجد الرم ... ح مدارا ولا الحصان مجالا
لا ألوم ابن لاون ملك الروم ... م وإن كان ما تمنى محالا
أقلقته بنية بين أذنيه ... وبان بغى السماء فنالا
كلما رام حطها اتسع البن ... ي فغطى جبينه والقذالا
يجمع الروم والصقالب والبل ... - غر فيها، وتجمع الآجالا
وتوافيهم بها في القنا السم ... ر كما وافت العطاش الصلالا
قصدوا هدم سورها فبنوه ... وأتوا كي يقصروه فطالا
واستجروا مكايد الحرب حتى ... - تركوها لها عليهم وبالا
رب أمر أتاك لا تحمد الفع ... عال فيه وتحمد الأفعالا
وقسي رميت عنها فردت ... في قلوب الرماة عنك النصالا
أخذوا الطرق يقطعون بها الرس ... ل فكان انقطاعها إرسالا
وهم البحر ذو الغزارب إلا ... أنه صار عند بحرك آلا
ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ... - ن القتال الذي كفاك القتالا
الغوارب: الأمواج، والآل: السراب.
فيقول مخبرا عن الروم، ومخاطبا لسيف الدولة: أخذوا الطرق موكلين بها، وقاطعين عنك للرسل منها، فكان ذلك القطع إشعارا، وقام ذلك الضبط مقام الإرسال إليك، لأنك أنكرت فعلهم، واستربت أمرهم، فأسرعت نحوهم، وبادرت بنفسك وجيشك إليهم.
ثم قال: إنهم كالبحر ذي الغوارب؛ لتكاثف جمعهم، وتكاثر عددهم، إلا أنهم صاروا عند قوتك وعديدك، وبأسك وجنودك، كالآل الذي يتخيل ولا يصدق، ويتمثل ولا يتحقق، ففروا هاربين، وولوا عنك مدبرين.
ثم قال يخاطب سيف الدولة: ما مضى الروم عنك غير مقاتلين لجيشك، ولا ولو غير متيقنين لأمرك.