مسألة (136)
: قال الشافعي - رحمه الله -: "ولعاب الدواب وعرقها طاهر قياسا على بني آدم" وفي بعض الروايات لفظ أتم من هذا قال: "ولعاب الدواب وعرقها سواء قياسا على بني آدم وأراد بالدواب: الجنسين جميعا ما كان طاهر العين وما كان نجس العين، فكل حيوان كانت عينه طاهرة كان لعابه طاهرا وعرقه كلعابه، وكل حيوان كانت عينه نجسة كان لعابه نجسا، وعرقه (نجس) كلعابه، (وقياس) الجنسين قياس على بني آدم، لأن عرقهم ملحق بلعابهم في الطهارة.
ومقتضى هذا القياس أن يكون ألبان هذه الحيوانات التي حكمنا بطهارة أعيانها طاهرة مثل لبن الآدميات، ولكن قال مشايخنا: ألبان السباع نجسة، وكذلك كل حيوان طاهر الذات لا يؤكل لحمه إلا ألبان الآدميات فإنها طاهرة، (وإن استوى) الجنسان (في تحريم أكل اللحم). والفرق بين الجنسين: أن تحريم لحم الآدميين والآدميات تحريم تكريم واحترام وتخصيص، لا تحريم (استخباث) واستقذار، وليس في إباحة ألبان الآدميات (تضييع) PageV01P235
الحرمة، ووضعها، وتركها، بل في إباحتها وإباحة شربها سر الحرمة/ (32 - أ).
وأما سائر الحيوانات التي لا تؤكل فتحريم لحمها ليس لتكريمها، ولكن لاستقذارها واستخباثها فصار ألبانها تبعا للحومها.
وأما ما كان من طائر له بيض فحكم البيض حكم اللحم يحرم إذا كان اللحم حراما ويحل إذا كان اللحم حلالا كما قلنا في ألبانها.
فإن قيل: عرق ما لا يؤكل لحمه ولعابه (هو) عصارة لحمه كما أن لبنه عصارة لحمه، وقد حكمتهم بطهارة لعاب الحمير والسباع، وعرقها، وحكمتم بنجاسة ألبانها فما الفرق؟
قلنا: اللعاب والعرق يخالفان اللبن في صفة أصولهما، وكيفية وجودهما، لأن العرق (يترشح) عن البدن ترشحا، وليس له مستقر معلوم (وكذلك PageV01P236
اللعاب ليس له مستقر معلوم)، وإنما يترشح (ويجتمع) في الفم، وقد حكمنا بطهارة العين التي (يترشح) عنها هذا القليل، فاستحال أن (نحكم) بنجاسة (البلل) المترشح مع الحكم بطهارة الجملة التي (يترشح) عنها.
وأما اللبن في الباطن فليس يحصل على جهة الترشح لكن له في الباطن مجتمع (معلوم)، ومستقر يستقر فيه، وما كان من هذا الجنس في الباطن فهو محكوم بنجاسته، كالمرارة بما فيها، والمثانة، والمعدة، إلا ما استثناه نص الشريعة.
فخالفنا في طريق القياس وهو لبن ما يؤكل لحمه قال الله تعالى: {من PageV01P237
بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين}، وذكر ذلك في (الأنعام) خاصة فقال: {وإن لكم في الأنعام لعبرة}.
فرق آخر بين لعاب الحمير وألبانها (و) هو أن الضرورة (تدعو) إلى الحكم بطهارة لعابها وعرقها، إذ لا يجد الناس بدا من ركوبها (ومقاربتها)، وفي الحكم بنجاسة عرقها ولعابها إدخال الضرورة والمشقة الظاهرة على الناس، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنه ركب حمارا معروريا) فصار هذا دليلا ظاهرا (في الحكم بطهارة عرقها)، وهذه الضرورة لا تتصور ولا تتحقق في ألبانها.