مسألة (775)
: قال الشافعي - رحمه الله -: "لو أن رجلين ادعيا دارا في يدي رجل ميراثا فأقر لأحدهما بنصفها وأنكر حق الآخر فأخذ المقر له نصيبه شاركه أخوه وشاطره، ولو أن أخوين ادعيا دينا على رجل لأبيهما وأقاما PageV03P630
شاهدا واحدا فحلف أحدهما مع شاهده ونكل الآخر أخذ الحالف نصيبه، ولا حق لأخيه فيما أخذ ".
فمن أصحابنا من قال: إنما افترقت المسألتان؛ لأن الدعوى في أحدهما عين وفي الأخرى دين، وهذه طريقة سديدة؛ لأن العين المستحقة شائعة الأجزاء بكل حال، فإذا قبض أحدهما بعض العين استحال أن ينفرد باستحقاقه وهما جميعا وارثان وطريق استحقاقهما طريق الميراث.
فأما الذمة إذا كانت محلا للدين، فتخصيص صاحب الذمة واحدا من المستحقين بالإيفاء، كالقسمة والإفراز؛ فلذلك اختص بما قبض.
ومن أصحابنا من قال: المذهبان في المسألتين على الاختلاف سواء كان الحق المدعي دينا، أو عينا، والنكتة الفاصلة بينهما: أن أحدهما لما نكل بطل حقه بالنكول، فجاز أن يختص صاحبه الثاني بالمأخوذ، وليس في أحدهما غبطال حقه في مسألة الإقرار حتى يختص صاحبه بالمأخوذ،/ (299/أ) فهذا هو الفرق بين المسألتين. PageV03P631
مسألة (776)
: إذا أقام رجل شاهدا واحدا على جارية في يد رجل أنها له وأن ابنها ولده منها. فقد قال الشافعي- رحمه الله-: "إذا حلف مع شاهده حكمنا بأن الجارية له أم ولده، وفي الولد قولان:
أحدهما: أن نسبه ثابت ويحكم له به.
والثاني: أن النسب لا يثبت، ولا يحكم له بالولد ".
والفرق بين الأم حيث صيرناها أم ولد بالشاهد واليمين، وبين الولد حيث لم نثبت نسبه في أحد القولين- وإن كان العتق والنسب سواء في أن لا نثبتهما بالشاهد واليمين-: أن الرجل إذا ادعى أن الجارية أم ولدي فأصل دعواه فيها دعوى الملك، والملك مما يثبت بالشاهد واليمين، ثم يترتب الإستيلاد على الملك بإقراره على أن أم الولد في الحال مملوكة، ألا تراه يطأها بملك اليمين ويؤاجرها ويزوجها فيأخذ مهرها.
فأما الولد، فليس للرجل فيه دعوى الملك في الحال، وإنما يدعي نسبه وحريته، وكل واحد منهما حق لا يثبت بالشاهد واليمين؛ فلذلك فصلنا بين الأم وبين الولد. PageV03P632
فإن قال قائل: أرأيت لو ادعى رجل عبدا في يدي رجل وقال: كان عبدا لي، فأعتقته، وأنكر صاحب اليد، وأقام المدعي شاهدا واحدا وحلف مع شاهده ثبتت دعواه وإن كان لا يثبت سوى الحرية.
قلنا: إن الرجل في هذا الموضع يثبت أصل الملك في رقبته في زمان مضى، وذلك مما يثبت بالشاهد واليمين، ثم يترتب العتق على ملكه بالإقرار الصادر من جهته، هذا فرق ما بينهما.
ومن أصحابنا من قال: ليس في الولد قولان، بل فيه قول واحد: أنا نقضي له بنسبه وحريته، كما قضينا بأن الأم أم ولده، ونسب المزني إلى الغلط في نقل القول الثاني، ويقول: ما وجدنا القول الثاني منصوصا في نقل الربيع عن الشافعي: ومن قال بالطريقة الأولى ذب عن المزني بأنه ربما سمع القول الثاني فنقله عن السماع.