مسألة (757)
: إذا قال: ثلثي للفقراء جاز تنزيل وصيته على ثلاثة منهم لما تعذر استيعابهم.
وإذا قال: لا أشرب ماء هذا النهر، أو ماء هذا البحر نزلناه على جميعه عند بعض أصحابنا، كما حكيناه، فلم نحنثه ببعضه. PageV03P602
والفرق بينهما: أن قوله: ثلثي للفقراء لفظ وجدنا له في الشرع معهودا معلوما أمكننا إلحاقه به وتنزيله على مثاله، وهو قوله سبحانه وتعالى: {إنما الصدقات للفقراء}، وذلك اللفظ المطل محمول على أقل الجمع في الأجزاء والاكتفاء، [بخلاف قوله: لا أشرب ماء هذا البحر، فليس له في الشرع معهود نلحقه به فاعتبرنا] حقيقة لفظه ومقتضاه، وهو جميع الماء، فأما حمله على التبعيض فإنما يكون بإضمار وزيادة؛ فلهذا لم نصر إليه ولم نحمله عليه.
واتفق أصحابنا على أن الرجل إذا قال: والله لأشربن ماء هذا البحر حنث في الحال، ولا يبر بأن يشرب بعضه، ولو جاز تنزيل اليمين في النفي PageV03P603
على البعض لجاز تنزيلها في الإثبات على البعض، وهذه المسألة تدل على ضعف أحد الوجهين في مسألة الوجهين.
مسألة (758)
: قال الشافعي - رحمه الله - إذا قال لامرأته أنت طالق إن خرجت إلا بإذني فإذا خرجت بإذنه فقد بر ولا يحنث ثانيا.
ولو قال: إن دخلت الدار وأنت لابسة حريرا، فدخلتها غير لابسة حريرا لم يحنث بلا خلاف في ذلك، ولا خلاف: أنها لو دخلت بعد ذلك لابسة/ (294/ ب) حريرا أنه يحنث في اليمن.
فإن قال قائل: خرجها بالإذن كدخولها غير لابسة حريرا، فإذا حنث بدخولها الثاني في اللبس فلم لا يحنث بخروجها الثاني في مسألة الإذن؟.
قلنا: الفرق بينهما: ما أشار إليه الشافعي - رحمة الله عليه -: حيث قال: PageV03P604
"إذا قال: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني أو حتى آذن لك فهذا على مرة احدة، فإذا خرجت بإذنه فقد بر ولا يحنث ثانيا إلا أن يقول: كلما خرجت إلا بإذني، فهذا على كل مرة"، ومراده بهذا أن اليمين تنحل بالبر، كما تنحل بالحنث فإذا اقترن الإذن بالخروج انحلت يمين بارة ومثله لبس الحرير إذا كان قصده المنع من لبس الحرير يكون كذلك في القياس؛ لأنها إذا دخلت غير لابسة انحلت له يمين بارة، فإذا كان لفظ اليمين لا يقتضي تكرارا والقصد المنع من اللبس استوت المسألتان.
فأما إذا قصد أن يجعل الحنث متعلقا بالوصفين الدخول واللبس فوجد أحد الوصفين ولم يوجد الوصف الثاني لو يحنث، وبقيت يمينه إلى أن يتصور اجتماع الوصفين جميعا.
ومذهب أبي حنيفة ومحمد وأبي ثور رحمة الله عليهم أن رجلا لو حلف لا PageV03P605
يعطي فلانا إلا بإذن فلان فمات صاحب الإذن سقطت اليمين، فيلزمهم إسقاط اليمين في هذه المسألة إذا وجد الخروج الأول بالإذن.