مسألة (539)
: إذا قال الرجل لامرأته: طلقت إن شئت فقالت: شئت طلقت.
ونص الشافعي -رحمه الله- على أنه لو قال لها: راجعتك إن شئت فقالت: شئت لم تكن رجعة، وكذلك لو قال: كلما طلقتك فقد راجعتك لم تكن رجعة، نص عليه.
وإنما فصلنا بين عقد الطلاق وبين عقد الرجعة؛ لأن عقد الطلاق قابل للتعليق على جميع الحالات. PageV03P270
ألا ترى: أنه مع المعاوضة يقبل التعليق، بخلاف النكاح.
فأما الرجعة فعقد استحلال مثل عقد النكاح من بعض الوجوه وإن خالفته من /بعض الوجوه، وهي بمعزل عن الغرر والخطر والتعليق.
ثم قال الشافعي - رحمه الله- ولو قال: إذا كان أمس فقد راجعتك لم تكن رجعة، ولو قال لها: قد راجعتك أمس أو يوم كذا - ليوم ماض بعد الطلاق- كانت رجعة، وهكذا لو قال: كنت راجعتك بعد الطلاق.
وإنما فصل الشافعي بينهما: للأصل الذي ذكرناه في التعليق ونفيه عن الرجعة.
فإذا قال: إذا كان أمس فقد راجعتك كان هذا اللفظ تعليقا، وإن كان أمس PageV03P271
يوما ماضيا، وإذا حذف التعليق فقال: قد راجعتك أمس - وإن لم يكن راجعها في الأمس- جعل هذا اللفظ منه رجعة؛ لأن هذا الزمان زمان صالح لإنشاء الرجعة، وإذا أخبر كاذبا جعلنا إخباره كاذبا: إنشاء وابتداء ظاهرا وباطنا.
مسألة (540)
: قال الشافعي - رحمه الله-: "إذا قالت: قد انقضت عدتي في مدة لا تنقضي عدة امرأة في مثلها فأبطلت قولها، ثم جاءت عليها مدة تنقضي العدة في مثلها وهي ثابتة على قولها الأول: قد انقضت عدتي، فعدتها منقضية".
وقال الشافعي - رحمه الله-: "لو قال المودع: لم تودعني شيئا، ثم قال: قد كنت استودعتنيه فهلك ضمن". فلم يقبل قول الأمين في الودائع بعدما بان كذبه، بخلاف المسألة الأولى حيث قبل قولها في انقضاء عدتها بعدما بان كذبها.
وإنما فصل بينهما؛ لأنا لو لم نقبل قولها لم نجد مرجعا غير قولها، إذ لا سبيل إلى الإحاطة بانقضاء العدة ما لم تخبر المرأة عن انقضائها، فصارت هذه الأمانة PageV03P272
موضوعة فيهن صدقن، أو كذبن، تحرجن، أو لم يتحرجن، فإذا لحقت واحدة منهن تهمة الكذب حلفت وحكمنا بقولها.
وأما الودائع فليس من ضرورتها قبول قول المؤتمن فيها بعدما زالت أمانته للخيانة الظاهرة من جهته، فإذا قال: لم تودعني، ثم قال: قد استودعتني: كان معترفا على نفسه بتكذيب نفسه، وصفة الأمانة تزول بمثل هذا، فيصير مؤاخذا بإقراره، فلا يكون مقبول القول بعد الإقرار بالخيانة.