مسألة (514)
: إذا قال الرجل إن قتل زيد عمرا في المسجد فأنت طالق, فرمى زيد من المسجد سهما فأصاب عمرا - وعمرو خارج المسجد - فقتله لم يقع الطلاق. PageV03P229
ولو قال: إن قذف زيد عمرا في المسجد فأنت طالق, فقذفه والقاذف في المسجد والمقذوف خارج المسجد - حكم بوقوع الطلاق.
والفرق بينهما: مراعاة وقوع الإطلاق في عرف العبارتين, وذلك: أنك إذا أطلقت, فقلت: قتل فلان فلانا في المسجد, فظاهر ما يفهم من هذا اللفظ أن المقتول كان في المسجد, فقتل فيه, ولم يعظم حرمة المسجد/ (223/ ب) في قتله, وليس المرد من إطلاق هذه العبارة أنه قتل في الشارع بفعل وجد في المسجد من القاتل, فاعتبرنا في القتل كون المقتول في المسجد, فما يعقل من ظاهر هذا اللفظ أن القاذف ترك تعظيم المسجد بذكر لفظ القذف فيه؛ فلذلك اعتبرنا في القذف خلاف ما اعتبرنا في القتل.
مسألة (515)
: قال الشافعي - رضي الله عنه -: "لو قال لها إن لم تكوني حاملا فأنت طالق وقف عنها حتى يمر عليها دلالة على البراءة من الحمل"، يعني: الحيض, فجعل الحيض في هذه المسألة دليلا على عدم الحمل, وقطع القول به, وقد صرح في غير هذا الموضع بأن الحامل تحيض, وهو أشهر قوليه, ولم يجهل الحيض دلالة على براءة الرحم, وإذا عرفت PageV03P230
قاعدة المذهب في حيض الحامل عرفت طريقة المذهب في المسألتين, اعلم أن الشافعي - رحمة الله عليه - لا يدعي أن الحامل تحيض غالبا, وإنما يدعي ذلك في الوجود نادرا, فأما إذا صرنا إلى عادات النساء, فالغالب من عاداتهن: أن الحامل لا تحيض, بل إذا اشتمل الرحم على الولد استمسك فم الرحم وانسد, فلا يكاد يخرج الحيض إلا نادرا, غير أن الموجود النادر في أحكام الأرحام محكوم به وله.
ألا ترى أنا جعلنا أكثر الحيض: خمسة عشر يوما, وأقل النفاس: لحظة, ووجود هذا من النوادر, وحكمه ثابت؛ فلذلك إذا وجدنا في آحاد النساء امرأة تحيض على الحبل, وتطهر, حيضا مستقيما وطهرا مستقيما علقنا على دمها حكم الحيض.
فأما قول الرجل لامرأته: إن كنت حاملا فأنت طالق, أو إن لم تكوني حاملا, فالمنع من الوطء وإباحة الوطء في مثل هذه المنزلة لا يعلق بالنوادر, وإنما يعلق بالظاهر, والظاهر من الحيض أنه دليل على براءة الرحم؛ ولذلك قلنا: إذا اشترى جارية, أو سبى جارية, فحاضت وطهرت حل له وطؤها, وقد PageV03P231
يحتمل أن تكون حبلى, ولكن الحيض والحمل من النوادر, وفقد الحمل مع الحيض من الظاهر فأبحنا له الوطء على الظاهر.
ثم اعلم: أن قول الشافعي - رحمه الله -: وقف عنها حتى تمر عليها دلالة البراءة وقف استحباب وندب, لا وقف حظر وتحريم؛ لأن الأصل أنها منكوحته, وأن الوطء حلال له, وقد شك في وقوع طلاقه, فلا يصير شكه في وقوع الطلاق سببا لتحريم الوطء.