مسألة (490)
: قال الشافعي - رحمه الله- "لو أصدقها عبدا، فدبرته، طلقها قبل الدخول بها وقبل أن ترجع عن التدبير لم يكن له الرجوع عليها بنصف العبد، وكان حقه في نصف القيمة، ولو رجعت عن التدبير، ثم طلقها كان له الرجوع في نصف العبد".
فهذا النص دليل واضح يدل على أنها إذا دبرت العبد الممهور - فسواء جعلنا التدبير وصية، أو جعلناه عتقا بصفة- فليس للزوج إذا طلقها قبل المسيس أن يرجع في نصف العبد المدبر.
ألا ترى أن الشافعي - رحمه الله - أجاب في هذا النص على أن لها الرجوع، وهذا جواب على أن التدبير يجري مجرى الوصايا ولا يجري مجرى العتق PageV03P187
بصفة، وإذا لم يجعل للزوج الرجوع في نصف العبد على قول جواز الرجوع عن التدبير فما ظنك بالقول الثاني: وهو إذا قلنا: ليس لها الرجوع قي التدبير، فكيف لها الرجوع في نصف المدبر وإبطال القربة؟ ومعلوم أنها لو أوصت بعين ذلك للعبد الممهور لرجل، ثم طلقها زوجها قبل المسيس كان للزوج إبطال وصيتها في النصف والرجوع إلى العينة.
والصحيح في التدبير [ما قلنا من نص الشافعي رحمه الله، وإن سلك بعض مشايخنا/ غير هذه الطريقة.
والفرق بين الوصية والتدبير]: أنها إذا دبرت فعقد التدبير بنفسه قربة تامة، ألا ترى أن تمام هذه القربة ليس يتوقف إلا على موتها ولا حاجة إلى قبول العبد ورضاه.
وأما الوصية فإنها لا تتم قربة بالإيصاء، وليس الإيصاء عقد قربة لا محالة، PageV03P188
كما ليست الهبة عقل قربة لا محالة، والزوج ممنوع من إدخال الضرر عليها بإبطال قربتها.
فإن قيل: أليس إذا علقت عتق ذلك العبد بدخول الدار فقد عقدت عقل قربة، وإذا طلقها زوجها قبل المسيس كان له أن يرجع في نصف ذلك العبد ويبطل عليها ذلك العتق، فما الفرق بين هذا وبين التدبير؟
قلنا: تعليق عتقها بدخول الدار ليس هو عقد قربة، وإنما هو يمين لمنع نفسه، أو لمنع غيره، وليس إذا مع نفسه، أو منع غيره من دخول الدار، أو حث عبده على دخول الدار بذكر العتق كان عاقدا بذلك عقد قربة، ولكنه عقد من عقود الإيمان، وكذلك ما جانس الأيمان مثل قوله: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فطلقها قبل رأس الشهر رجع إلى نصف العبد، إذ ليس ذلك من جنس محضر القربة، فأما عقد التدبير فلا معنى فيه إلا القربة المحضة، PageV03P189
فإذا أراد إبطال حقها من القربة كان ممنوعا من الإبطال، وإن كان عين الصداق باقية بحالها.
ولو أنها رضيت وأبطلت على نفسها قربتها، فرجعت عن التدبير قبل الطلاق- على قول جواز الرجوع بالقول- ثم طلقها كان له أن يرجع إلى نصف العبد، إذ ليس في رجوعه إلى النصف إبطال القربة عليها، وقد قال الشافعي - رحمه الله -: لو أصدقها جارية فطلقها وهي ترضع ولدا ولدته لها لم يكن له أن يرجع إلى نصف الجارية، مخافة الإضرار بالشركة في إرضاع الولد، فهذا صداق باق بعينه لم يزد ولم ينقص، والزوج ممنوع من الرجوع في نصفه خوف الإضرار، فكذلك خوف الإضرار موجود في مسألة التدبير.