مسألة (327)
: إذا غصب رجل ثوبا قمته عشرون، فأبلاه فتراجعت قيمته بالإبلاء إلى عشرة، ثم تراجع السوق، فصار يساوي خمسة، فعليه أن يرده ويرد معه عشرة، وإن كان مقدار النقصان خمسة عشر. PageV02P664
ولو غصبه وقيمته عشرون، فتراجع السوق إلى عشرة فأبلاه فرجع إلى خمسة فرده، كان عليه أن يغرم عشرة.
فاستوت المسألتان في مقدار الغرم وافترقا في الصورة، وصارت زيادة السوق في أحدهما متبعضة بعضها مضمون وبعضها غير مضمون، وفي الأخرى غير متبعضة بل جميعها غير مضمون.
والمعنى المعتبر في المسألتين - ما نذكره إن شاء الله - وهو أن كل جزء أبلاه من الثوب باللبس، فذلك الجزء مغصوب تلف في يد الغاصب، فلابد من أن يغرم قيمة ذلك التالف، ولا يغرم في ذلك التالف تراجع السوق إذا كان التراجع بعد التلف، وإنما يضمن تراجع/ السوق فيما يقدم فيه التراجع، ثم وجد التلف، وكان كل عين نقصت بالسوق، ثم ردها فليس عليه نقصان سوقها. فإذا تقرر هذا الأصل قلنا في المسألة الأولى: إن الثوب كان يساوي عشرين فرجع بالإبلاء إلى عشرة، فلابد من أن يغرم هذه العشرة، فإذا تراجع السوق من بعد إلى خمسة، فهذا التراجع في الباقي من الثوب، لا في التالف، والباقي صار مردودا، فلا يضمن نقصان السوق في المردود، فالغرم عشرة والنقصان خمسة عشر بالإبلاء وخمسة بالتراجع. PageV02P665
فأما المسألة الثانية، فالتراجع فيها قبل الإبلاء؛ لأنه غصبه وقيمته عشرون، فتراجع إلى عشرة، ثم أبلى، فتراجع إلى خمسة، فكانت خمسة من التراجع حصة ما أبلى وخمسة حصة ما أبقى، وقد رد الباقي، فلم يغرم حصته من التراجع، ولم يرد الأجزاء التي أبلاها - وهي خمسة - وحصتها من التراجع خمسة دراهم؛ فلذلك أغرمناه نقص السوق بخلاف المسألة السابقة.
مسألة (328)
: قال الشافعي - رحمه الله -: "لو فتح قفصا عن طائر أو حل دابة فوقفا، ثم ذهبا لم يضمن، ولو حل زقا، أو راوية، فاندفقا ضمن، إلا أن يكون الزق مستندا، فكان الحل لا يدفع ما فيه، ثم سقط بتحريك، أو غيره، فلا يضمن؛ لأن الحل قد كان، ولا جناية فيه".
فسوى بين الحيوان، وبين غير الحيوان، ثم فصل بين اتصال التلف، والطيران يفعل المعتدي، وبين انفصال التلف والطيران عن فعله.
وإنما فصل بين الحالتين؛ لأن الفعل إذا لم يكن له سراية فأثره ما يعقبه على جهة الاتصال، فإذا انفصل، وتباعد استحالت النسبة، ولابد من قطع التلف عن الفعل المتقدم، فأما الأفعال التي لها سراية، فجائز أن يكون زمان السراية، كزمان الجناية؛ لأنها غير منقطعة. PageV02P666
فإن قال قائل: للحيوان اختيار، وليس للمانع اختيار، فهلا ينسب طيران الطير في الحالتين إلى اختيار الطائر منفصلا كان، أو متصلا.
قلنا: إذا اتصل الطيران كان خروجه في ظاهر الحال لروعة تداخلته من ذلك الفاتح، فإن العادة فزع الطائر من الآدمي.
ولو أن رجلا خوف طائرا بتصفيق فطار، وضاع كان على هذا الرجل ضمانه، وإن كان للطائر اختيار؛ لأنه صار بالتفزيع مسلوب الاختيار، فاستوي الحيوان، والمانع عند الاتصال؛ لنسبة التلف إلى الجناية المتصلة، وإذا انفصل التلف صار كالجراحة المندملة.