كتاب الإقرار
مسألة (294)
: قال الشافعي - رحمه الله -: "إذا قال: لفلان على أكثر مما في يد فلان, فنظرنا فوجدنا ما في يد فلان عشرة دراهم, ففسر المقر إقراره فقال: أردت درهما واحدا, كان تفسيره مقبولا, فإن صار متهما, فالقول قوله مع يمينه".
وقال في كتاب المكاتب: "لو قال: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما عليه, وجب أن يوضع عنه من الألف التي عليه خمسمائة وزيادة".
فصرف الشافعي - رحمه الله - لفظ الكثرة في كتاب الكتابة إلى العدد, ولم يصرفه في الإقرار إلى العدد, مع وجود الإشارة في كل واحدة من المسألتين.
والفرق: أنه إذا قال: لفلان على أكثر مما في يد فلان احتمل هذا الإقرار معنى العدد, واحتمل معنى الملك والغصب, كأنه يقول: ما في يد فلان غصب, وما على فلان ملك.
ويحسن في هذا المعنى قول القائل: درهم واحد من الحل, والملك المملوك أكثر من ألف درهم من المغصوب الحرام, والأصل براءة الذمة, فلا PageV02P616
يشتغل بالشك, وكذلك لو أقام رجل شاهدين على رجل بألف درهم, فقال المدعى عليه: علي لفلان أكثر مما شهد الشاهدان به, ثم فسر الإقرار المجمل بدرهم واحد, كان تفسيره مقبولا؛ لأنه قد يريد بهذا الإقرار أن الشاهدين شهدا زورا, وأن الألف غير واجبه علي في الباطن, فالدرهم الواحد الواجب أكثر من ألف درهم غير واجبة.
فأما مسألة الكتابة, فليست كذلك؛ لأن قوله: ضعوا على مكاتبي أكثر ما عليه إقرار بظاهر اللفظ أن الكتابة صحيحة, وأن ذلك المال واجب عليه, فلا يمكن صرف لفظ الكثرة إلا إلى العدد في المقدار, فإن قول القائل: علي كذا وعلى فلان كذا ظاهر في حقيقة اللزوم, وكيف وقد استعمل لفظ الوضع مع لفظ الكثرة, فصارا ظاهرين مقترنين منصرفين إلى العدد, وقد يكون في يد فلان غصب, كما يكون في يده ملك؛ فلذلك فصلنا بينهما.