وقد قال بعض أصحابنا - في مسألة الضمان: إنها مصورة في وكيل خاصم عن هذا الحاضر, لا في مباشرة الحاضر للخصام, فلا يكون إقرار الوكيل مقبولا على موكله, فأما إذا باشر, فليس له الرجوع على الغائب, ومنهم من قال: كأنه باشر بنفسه الخصومة, فلما توجهت الدعوى عليه سكت, فجعل القاضي سكوته جوابا في سماع البينة, ولا يصير سكوته إقرارا منه بتكذيب الخصم والبينة؛ فلذلك ثبت له الرجوع على الغائب.
والطريقة الأولى هي المبينة. PageV02P592
مسألة (284)
: إذا ضمن رجل مالا في فداء أسير, وبذل ذلك المال لم يكن له أن يرجع على الأسير إلا أن يكون قد فداه بإذنه.
ولو أن رجلا رأى مضطرا في مخمصة مشرفا على التلف, فأوجره من ملكه طعاما, فاستحيا به مهجته, كان لصاحب الطعام أن يرجع على ذلك المضطر بقيمة الطعام.
والفرق بين المسألتين: أن فداء الأسير ليس بواجب على الفادي وإنما هو متبرع, فإذا لم يسبق إذن من جهة الأسير لم يكن له أن يرجع عليه بما أدى عنه.
فأما مسألة المخمصة, فليست كذلك؛ لأن صاحب الطعام مأمور شرعا أمر حتم باستحياء مهجته. PageV02P593
ألا ترى أنه لو امتنع, كان للمضطر مواثبته, ومهاجرته, ومكابرته على ذلك الطعام؛ ليسد رمقه به على شرط القيمة, فإذا أوجره صاحب الطعام, ولم يرض بأن يكون متبرعا بل ادعى أنه أوجره على شرط الضمان كان له أن يرجع عليه فيطالبه؛ ولهذه النكتة قلنا: إذا قتل رجل عمدا, فعفا الولي من غير رضا القاتل, كان له مطالبته بالدية؛ لأنه استحيا مهجته بالعوض/ (165/ ب). PageV02P594
كتاب الشركة
مسألة (285)
: هذه مسألة فيها فروق وأطراف, فسقناها على وجهها بتوفيق الله تعالى, قال المزني - رحمه الله -: "وإذا كان العبد بين رجلين, فأمر أحدهما صاحبه ببيعه, فباعه من رجل بألف درهم, فأقر الشريك الذي لم يبع أن البائع قد قبض الثمن,] وأنكر ذلك البائع, وادعاه المشتري, كان المشتري بريئا من نصف الثمن [وهو حصة المقر, ويأخذ البائع نصف الثمن من المشتري ويسلم له, ويحلف لشريكه ما قبض ما ادعى, فإن نكل حلف صاحبه واستحق الدعوى.
وإنما بريء من نصيب الموكل؛ لأنه معترف بأن المشتري بريء من جميع الثمن بدفعه إلى البائع الذي هو وكيل في أحد النصفين ومباشر بيع ملكه في النصف الثاني, ولكن إذا كان البائع ينكر ما يقول الموكل, والمشتري يدعي أنه دفع الثمن كله إلى البائع, فقول المشتري غير مقبول على البائع في نصيب نفسه. PageV02P595
والفرق بين النصيبين: أن صاحب النصيب الثاني هو الموكل معترف ببراءة ذمة المشتري عنه؛ لدفعه بزعمه إلى وكيله في قبضه, فأما نصيب البائع من الثمن, فقول الموكل غير مقبول منه على الوكيل, ووكيل البائع غير معترف بأنه قبض شيئا, أو استناب في القبض نائبا, والبيع بالتصادق موجود, والثمن واجب, فعلى المشتري إقامة البينة على القضاء, وإذا عجز حلف البائع الوكيل أنه لم يستوف وقضى له على المشتري بنصف الثمن وهو خمسمائة درهم, فإذا استوفاها, فجاء الموكل وادعى عليه حقه, فالقول قول الوكيل أنه لم يقبض من المشتري سوى هذه الخمسمائة درهم, فإما أن يحلف وإما أن ينكل, فإن حلف في هذه الخصومة يمينا ثانية سلمت له الخمسمائة التي أخذها, وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الخصم وهو الموكل, فإن نكل سقطت دعواه, وإن حلف قضي له بحقه على الوكيل, وكذلك لو خاصم الموكل قبل أن يخاصم الوكيل المشتري كان الوكيل مستحلفا بدعوى الموكل, فإن حلف أو نكل, فحكمه ما ذكرناه. PageV02P596