كتاب الرهن
مسألة (228)
: عقد الرهن قبل الإقباض من العقود الجائزة، ولا يبطل بموت أحد المتعاقدين، ولا بموتهما جميعا، فأما عقد الوكالة، والجعالة وما أشبههما فإنه يبطل بالموت.
والفرق: أن الوكالة عقد جائز لا ينتهي إلى اللزوم ولا يعقد له، PageV02P477
وأما عقد الرهن فإنه يعقد حيث يعقد لقصد اللزوم والإلزام، غير أنه يتوقف وجود صفة اللزوم على معنى متوقع في الثاني وهو القبض والإقباض، والعقد الموصوف بهذه الصفة لا يبطل بالموت.
ألا ترى أن البيع إذا تضمن شرط الخيار، فهو غير لازم ما دام الخيار قائما، ولكنه لما كان معقودا لمقصود اللزوم لم يبطل بالموت ولا بالجنون ولا بالإغماء، فكذلك الرهن.
فإن قال قائل: إن عقد الهبة عقد يقصد به اللزوم ويتوقف الانبرام على القبض، وقد قلتم إذا وهب لوارث شيئا في صحته فمرض مرض موته قبل تسليمه إليه بطلت هبته، ولو كان سلمه في حال صحته لأنبرمت بالتسليم، وما ضره اعتراض مرض الموت، فما الفرق؟ PageV02P478
قلنا: قد حكمت الشريعة بأن الوصية لا تجوز لوارث، وإذا وهب في حال صحته، ثم سلم في حال مرضه - والتمليك في الهبة بالتسليم - فكأنه أوصى له بما ملكه في مرض الموت. وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قد نحل عائشة جداد عشرين وسقا، فمرض أبو بكر قبل الإقباض والقبض، فقال لها: وددت/ (148/ ب) أنك كنت قد حزتيه، وهو اليوم مالك ومال أخويك وأختيك، فقالت: عائشة أما أختي فلانة فقد عرفتها، فمن أختي الأخرى؟ فقال: إن فلانة حامل وما أراها إلا تلد جارية، PageV02P479
فولدت جارية.
فدل حديث أبي بكر على أن مرض الموت إذا اعترض على الهبة للوارث قبل الحيازة بطلت الهبة، فأما عقد الرهن، فلا يتضمن هذا المعنى، وأقصى إشكاله أن يكون المرتهن وارثا فيمرض المورث الراهن ويموت قبل الإقباض، فلا يضر عقد الرهن؛ لأنه لا ينقلب وصيه له.
فإن قال قائل: إن عقد البيع بعد الإيجاب وقبل القبول في حد الجواز، [كما أن الرهن بعد الإيجاب وقبل القبول في حد الجواز]، وموت أحد المتبايعين بين طرفي العقد مبطل للطرف الموجود، فهلا كان PageV02P480
الموت مبطلا للرهن إذا لم يكن مقبوضا.
قلنا: أحد طرفي العقد بعض العقد، وبعض العقد لا يأخذ حكم العقد، فأما إذا استقل بطرفيه وتكامل فيه الإيجاب والقبول فقد تحقق له اسم العقد، واستتبع حقيقة الاسم حقيقة الحكم؛ فلذلك قلنا: إن خيار الشرط في البيع موروث وخيار القبول غير موروث.