مسألة (186)
: قال أبو العباس بن سريج: إذا اشترى رجل عبدا، ثم قطع المشتري يده وهو في يد البائع وجب أن يغرم قطع اليد في هذا الموضع، كما نعتبر جراح البهائم. PageV02P396
وإذا جنى رجل على عبد رجل، فقطع يده اعتبرنا تلك الجراحة، كما نعتبر الجراحة على الأحرار، فنوجب نصف قيمته، ولا نوجب ما نقص.
فنقول في المبيع: إن نقص بقطع اليد ثلث قيمته، فقد قبض ثلث المبيع.
والفرق بين المسألتين: أن الجناية إذا اعتبرت، كاعتبار جناية الأحرار استمر ذلك الاعتبار، واستقام، فأوجبنا في إحدى يديه نصف قيمته، وفي يديه جميع قيمته، ولو قتل بعد قطع اليدين أوجبنا على قاتلة قيمته مقطوع اليدين. وفي هذا باين الحر؛ لأن الحر لا تنقص بالجناية ديته، كما تنقص بالجناية على العبد قيمته. PageV02P397
فأما في المبيع إذا جني عليه المشتري، فلو اعتبرنا تلك الجناية، كاعتبار جناية الأحرار تناقض، ولم يستمر وبيانه: أنا إذا أوجبنا بقطع إحدى يديه تقرير نصف قيمته؛ لقبض نصفه؛ لزمنا أن نقول بقطع اليد الأخرى بتقرير جميع ثمنه؛ لقبض جميعه، فيقتضي أن يكون العبد بعد قطع اليدين غير مضمون على البائع، وهذا محال، فإذا اعتبرنا ما نقص لم يؤد إلى هذه الاستحالة/؛ لأن الباقي ما دام حيا يبقى له قيمة وإن قلت.
مسألة (187)
: إذا باع رجل ثوبا من رجل بثمن مرسل في الذمة، أو بثمن معين، فلهما الافتراق قبل القبض.
ولو باع منه ثوبا بدين كان له في ذمته، وعين الثوب، وصحت المعاوضة، فلا يجوز لهما أن يفترقا قبل قبض الثوب، فإن افترقا قبل القبض بطل العقد، كما يبطل الصرف، والسلم بالتفرق قبل القبض، وهذا الجواب منصوص PageV02P398
للشافعي - رحمه الله -:
والفرق بين المسألتين: أنه إذا باع ثوبا معينا في الذمة، فهو بيع عين بدين، وإن كان الثمن معينا، فهو بيع عين بعين، وهذان نوعان من البيوع لا يتوقف انبرامهما على القبض.
فأما إذا كان الثمن دينا سابقا مستقرا في الذمة، فمالك ذلك الدين إذا اعتاض فيه ثوبا، فقد باع دينا، فيجب أن يبيعه بعين، لا بدين، فإذا باعه بعين، وافترقا عن ذلك المجلس قبل القبض صارت العين شبيهة الدين، ولا يجوز بيع دين بدين.
فإن قيل كيف صارت العين شبيهة الدين، وهي معينة؟ PageV02P399
قلنا: العين المعينة إذا لم يستقر العقد عليها بالقبض فإنها لا تأخذ على الحقيقة حكم الأعيان.
ألا ترى أن الدنانير إذا قوبلت في الصرف بالدنانير، أو بالدراهم، فالتعيين فيها عند الشافعي، كالتعيين في الثياب، وسائر العروض.
ألا ترى أن الإبدال والاستبدال ممنوعان بعد التعيين، ولكن لما توقف صحة الصرف، وانبرامه على القبض لم يكتف بالتعيين حتى يحصل قبض، فإذا افترقا عن غير قبض صار صرفهما على العين بالعين، كصرفهما على الوصف بالوصف، وكذلك إذا بيع الدين بعين لم يستقر العقد عليها بالقبض قبل الافتراق صار، كما لو باع ذلك الدين بدين، وافترقا.
ولو أنه قال: بعت الدين الذي في ذمتك من الدراهم بدنانير PageV02P400
صفتها كذا وكذا، ولكن لم يفترقا حتى تعينت الدنانير بالقبض كان ذلك بيع دين بعين، وكما صار الموصوف في العقد، كالعين بالقبض قبل الافتراق، فكذلك صار المعين في العقد، كالموصوف بفوات القبض قبل الافتراق. PageV02P401