فإن قال قائل: أليس لا يصح الطواف إلا بعد الوقوف؟
فلنا: بلى، ولكن ليس هو/ من توابعه، وإنما هو فرض مقصود بنفسه، (115/ ب) والاستتباع والتبعية غير كم الترتيب.
ألا ترى أن السجود لا يحتسب إلا بعد الركوع، وليس هو من توابعه، بل ولحق الترتيب.
فإن قال قائل: إن كان الرمي سقط بسقوط المتبوع، فهلا أسقطتم غسل العضد إذا كانت اليد مقطوعة من فوق المرفق.
قلنا: غسل العضد ومقصود بنفسه؛ ولهذا لو بدأ به قبل غسل المرفق PageV02P201
والساعد جاز، وذلك لتطويل الغرة، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة (90)
: من كانت قريته قريبة بين الميقات ومكة، فأراد إنشاء الإحرام لم يجز له مجاوزة عمرانها الذي يلي مكة، فإن جاوزه ثم أحرم ولم يعاودها فعليه دم الإساءة، كمن يجاوز الميقات غير محرم قاصدا للنسك، ثم يحرم ولا يعاود.
وأما المكي إذا أراد إنشاء الإحرام فجاوز عمران مكة [قاصدا لعرفة، PageV02P202
ثم أحرم بالحج ولم يعاود مكة] فليس عليه دم الإساءة على أصح القولين.
والفرق بين الفريقين: أن الرم المحيط بمكة يتبع مكة، كالبقعة الواحدة في أحكام شتى. منها تحريم الصيد، ومنها أن جميعها محل لنحر الهدايا، وحلق الشعر في الحج والعمرة، وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر ". فما دام في الحرم فكأنه في جوف مكة، وإذا جاوز الحرم إلى الحل، ثم أحرم، ولم يعاود الحرم كانت منزلته بمنزلة من جاوز عمران قريته التي بين الميقات وبين مكة، ثم أحرم ولم يعاودها. PageV02P203
مسألة (91)
: من كانت قريته بين مكة والميقات، فأراد الإحرام، فالأفضل أن يأتي أعلا قريته وهو الجانب الأبعد عن مكة، ثم يحرم.
وأما المكي إذا أراد الإحرام بالحج، والخروج إلى عرفة، فليس [الأفضل أن يأتي الجانب الأبعد من عرفة، بل] الأفضل أن يحرم من عند الكعبة في أحد القولين، وفي القول الثاني يحرم من جوف داره.
الفرق بين القريتين: أنه إذا كان بمكة، فهو في أفضل البقاع وأشرفها، فإذا أراد الإحرام تقابلت له فضيلتان. إحداهما: فضيلة كثرة الخطوات بأن يحضر الجانب الأبعد عن عرفة، وهو الجانب الذي يلي PageV02P204
التنعيم. والفضيلة الأخرى: فضيلة مكان الإحرام، فكان الأولى أن يختار فضيلة المكان على فضيلة كثرة الخطوات.
ألا ترى أن الشافعي قال فيمن أراد الطواف بالبيت: أن الدنو من البيت أفضل من التباعد وإن كانت خطوات المتباعد أكثر من خطوات من اقترب من الكعبة.
وأما إذا سكن قرية أخرى، فقد تعينت له فضيلة كثرة الخطوات، وليس يقابلها فضيلة أخرى، فكلفناه إذا أراد زيادة الفضيلة حضور الجانب الأبعد.
فإن قال قائل: فلم أمرتم المكي في القول الثاني بأن/ يحرم (116/ أ) PageV02P205
من جوف داره، فهلا أمرتموه. بالقول الثاني: بإتيان الجانب الأبعد؛ لكثرة الخطوات.
قلنا: إنما أمرناه بذلك؛ لأن جوف داره أقرب إلى الكعبة من الجانب الأبعد، وراعينا مع ذلك لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: من تمام حج الرجل، وعمرته أن يحرم بهما من دويرة أهله.