[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل أفضل صلاة على سيدنا محمد وآله وسلم كذلك صلاة دائمة بدوامك. الحمد لله حمدا يتعرض حامده لمزيد آلائه، ويحتوي إخلاف نعمائه، والصلاة والسلام على المصطفي محمد وآله.
أما بعد ...
فإن مسائل الشرع ربما تتشابه صورها، وتختلف أحكامها، لعلل أوجبت اختلاف الأحكام، ولا يستغني أهل التحقيق عن الإطلاع على تلك العلل التي أوجبت افتراق ما افترق منها، واجتماع ما اجتمع منها، فجمعنا في هذا الكتاب بمشيئة الله تعالى وحسن توفيقه مسائل وفروقا بعضها أغمض من بعض، وكنا رأينا لبعض مشايخنا المتقدمين مجموعا في هذا الباب، غير أنه كان مشتملا على مسائل معدودة قليلة، ولا يكاد يحصل مقصود هذا الباب إلا بالزيادة على ما جمع المتقدمون، غير أن لما وجدناه قدرة تبركنا، واقتدينا، وتأسينا، وبنينا على أساس من تعميم تشييد أساسه. PageV01P037
فصل
في تقسيم منازل الفروق
تعلم أن المسائل التي تلتمس الفرق منها مقسمة ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
أن يصادف مسألتين لم يختلف المذهب فيهما، ولا في واحدة منهما، والصورة متشابهة، والحكمان مختلفان، ولابد من فرق بينهما، ولا سبيل إلى تخريج جواب إحداهما من الأخرى.
مثاله: أن الصلاة لا تصح بنية متقدمة حتى تكون النية مقترنة بأولها، ويصح الصوم، وإن كانت نيته متقدمة على الصوم بزمان.
والفرق بينهما: التمكن من ضم النية إلى أول الصلاة، والعجز الظاهر عن ضم النية إلى أول الصوم، ونظائر هذا القسم أكثر من أن تحصى.
والقسم الثاني:
أن تجتمع مسألتان، والشافعي - رضي الله عنه - قطع قوله بجواب واحد في PageV01P039
إحداهما، وعلق قوله في الأخرى، وامتنع أصحابنا من تخريج قول في المسألة التي قطع قوله بجواب فيها، فمست الحاجة إلى فرق بين المسألتين، فعلم أن ذلك لمعنى أوجب قطع القول في إحداهما، وتعليق القول في الأخرى.
مثال هذا: أن الشافعي - رضي الله عنه - ذكر قولين في الأجير المشترك إذا تلفت العين في يده. أحد القولين: أنه ضامن. والثاني: أنه بريء عن الضمائن، وإذا استأجر رجل أجيرا، ليعمل في حانوته، فتلف الشيء على يده، فقد قطع القول بأنه غير ضامن، وكلاهما أجير.
الفرق بينهما: أن الأجير المشترك ينفرد باليد على ما أخذ العوض في مقابلة عمله في، فجاز تضمينه عنه تلف العين، أما الأجير في الحانوت (1 - ب) فهو غير منفرد باليد، بل اليد لصاحب الحانوت على ما في الحانوت، فتلف الشيء في يد الأجير، كتلف العبد في يده سيده بالفصد،. PageV01P040
والحجامة إذا سرت الجراحة، فلا يضمن الفصاد.
والقسم الثالث:
تجتمع مسألتان ذكر مشايخنا وجهين في إحداهما، وقطعوا القول في الأخرى.
فهذا القسم ينقسم قسمين:-
أحدهما: أن يقوى كل واحد من الوجهين، فيكون الكلام في هذا القسم كالكلام في القسم الثاني قبله.
والقسم الآخر: أن يضعف أحد الوجهين، بدليل المسألة التي لم يختلفوا فيها، فيتعذر الفرق الواضح، فاشتغل في مثل هذا الموضع بتزيف أضعف الوجهين، وإسقاطه، ولا تشتغل بالتماس الفرق فيتعذر، ولا بتخريج الوجهين في المسألة المجمع عليها. وفي هذا القسم يكثر التعسف والتخريجات المستضعفة، وصرف العناية إلى إسقاط بعض الوجوه الضعيفة أولى من التعسف والولوع باستكثار الوجوه، وتخريجها وإذا انتهينا إلى أمثلة هذا القسم ذكرناها، ومهدنا هذه الطريقة فيها إن شاء الله. PageV01P041