قال إسماعيل:
وكذلك ما روي من قراءة ابن مسعود1 وغيره ليس لأحد أن يقرأ اليوم به - يعني مما يخالف خط المصحف من ذلك2.
قال إسماعيل:
لأن الناس لا يعلمون أنها قراءة عبد الله، وإنما هي شيء يرويه بعض من يحمل الحديث. يعني أن ما خالف خط المصحف من القراءات، فإنما يؤخذ بأخبار الآحاد، وكذا ما وافق خط PageV01P055
المصحف الذي هو يقين إلى ما يخالف خطه مما لا يقع على صحته.
قال إسماعيل:
فإن جرى شيء من ذلك على لسان الإنسان، من غير أن يقصد له كان له في ذلك سعة، إذا لم يكن معناه يخالف معنى خط المصحف المجمع عليه. ويدخل ذلك في معنى ما جاء:
أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
قلت:
فهذا كله من قول إسماعيل يدل على أن القراءات، التي وافقت خط المصحف هي من السبعة الأحرف كما ذكرنا، وما خالف خط المصحف أيضا هو من السبعة، إذا صحت روايته ووجهه في العربية
، ولم يضاد معنى خط المصحف. لكن لا يقرأ به، إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد، ولا يثبت قرآن يخبر الآحاد، وإذ هومالف للمصحف المجمع عليه.
فهذا الذي نقول به ونعتقده، وقد بيناه كله.
باب: "جمع القرآن، وكيف جمع؟ وما سبب جمعه؟ "
فإن سأل سائل فقال:
هل كان القرآن مجموعا على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"؟.
وكيف جمع بعده؟ وما سبب جمعه؟.
5ش/ فالجواب:
أن القرآن كان على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، متفرقا في صدور الرجال؛ لأنه نزل في نيف1 وعشرين سنة، شيئا بعد شيء وقيل: في عشرين سنة.
وتواترت الرواية أنه مات "صلى الله عليه وسلم"، وهو غير مجموع في صحف. لم يختلف في ذلك.
فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولى أبو بكر رضي الله عنه، خرج القراء من الصحابة إلى الغزوات، فاستشهد كثير منهم يوم اليمامة. PageV01P057
قال زيد بن ثابت1: فارسل إلي أبو بكر بعد مقتل اليمامة، فجئته، فإذا عمر عنده قال زيد:
فقال لي أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر2 يوم اليمامة بقراء القرآن، وإن أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قال أبو بكر: فقلت لعمر: أنفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟
قال عمر: هو والله خير.
قال أبو بكر: فلم يزل عمر يراجعني في ذلك، حتى شرح الله صدري بالذي شرح به صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى.
قال زيد: ثم قال لي أبو بكر: أنت غلام شاب عاقل PageV01P058
لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فتتبع القرآن واجمعه.
قال زيد: فوالله لقد كلفوني ثقل جبل من الجبال، ما كان بأثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن.
قال زيد: فقلت: أتفعلون شيئا لم يفعله رسول الله، "صلى الله عليه وسلم"؟.
قال أبو بكر: هو والله خير.
قال زيد: فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله صدري بالذي شرح به صدر أبي بكر وعمر.
قال زيد: فتتبعت القرآن، أجمعه من الرقاع والسعف واللخاف1. وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة عند ذي الشهادتين الأنصاري2. كان رسول الله "صلى الله عليه PageV01P059
وسلم" جعل شهادته كشهادة رجلين، لم نجدها مع غيره: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} ، إلى آخر السورة.
قال المقري1: ومعنى هذا أن زيدا وغيره كانوا يحفظون الآية لكنهم أنسوها، فوجدوها في حفظ ذلك الرجل، فتذاكروها، واستيقنوها وأثبتوها في المصحف لحفظهم لها، وسماعهم إياها من رسول الله "صلى الله عليه وسلم". ولم يخالفهم أحد في ذلك فصارت إجماعا، لا أنهم2 أثبتوها قرآنا بشهادة ذلك الرجل، وإن كانت شهادته مقام شهادة رجلين؛ لأن القرآن لا يؤخذ إلا بالإجماع، وتواتر يقطع على مغيبه بالصدق، ويجب بذلك العلم والعمل، ولا يؤخذ بشهادة رجل ولا رجلين، ولا بشهادة من لا يقطع على صدق شهادته.