وقد قرأ الكسائي1 على حمزة2، وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف؛ لأنه قرأ على غيره3، فاختار من قراءة حمزة، ومن قراءة غيره قراءة، وترك منها كثيرا.
وكذلك أبو عمرو4 قرأ على ابن كثير5، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف؛ لأنه قرأ على غيره6، واختار من قراءته، ومن قراءة غيره قراءة.
فهذا سبب الاختلاف الذي سألت عنه. PageV01P050
4/ ش
باب
فإن سأل سائل فقال:
فما الذي يقبل من القراءات الآن، فيقرأ به؟
وما الذي لا يقبل، ولا يقرأ به؟
وما الذي يقبل، ولا يقرأ به؟
فالجواب:
أن جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام:
قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال،
وهي:
أن ينقل عن الثقات إلى النبي "صلى الله عليه وسلم".
ويكون وجهه في العربية، التي نزل بها القرآن شائعا.
ويكون موافقا لخط المصحف.
فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به، وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقته لخط المصحف، وكفر من جحده.
والقسم الثاني: ما صح نقله في الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف.
فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين:
إحداهما1: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، وبئس ما صنع إذ جحده2.
والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية.
فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف.
ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصار، وقد قال الطبري3 في كتاب البيان:
لا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره PageV01P052
لهم إمامهم المشفق عليهم، الناصح لهم، دون ما عداه من الأحرف السبعة.
وقد ذكرنا هذا من مذهبه.
وقد ألف هو كتابه القراءات، فذكر فيه اختلاف نحو عشرين من الأئمة، من الصحابة والتابعين، ومن دونهم فنقض مذهبه بذلك.
وقد قال في كتاب القراءات له كلاما نقض أيضا به مذهبه قال:
كل ما صح عندنا من القراءات، أنه علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من الأحرف السبعة التي أذن الله له، ولهم أن يقرءوا بها/ 5ي القرآن، فليس لنا أن نخطئ من كان ذلك به موافقا لخط المصحف.
فإن كان مخالفا لخط المصحف لم نقرأ به، ووقفنا عنه، وعن الكلام فيه.
فهذا إقرار منه، أن ما وافق خط المصحف مما اختلف فيه، فهو من الأحرف السبعة، على مثل ما ذهبنا إليه.
وقد تقدم من قوله1: أن جميع ما اختلف فيه مما يوافق خط المصحف، فهو حرف واحد، وأن الأحرف الستة ترك العمل بها.
وهذا مذهب متناقض.
"القراءة بما خالف خط المصحف وإن روى":
وقد قال إسماعيل القاضي2 في كتاب القراءات له:
أن عمر بن الخطاب قرأ: غير المغضوب عليهم وغير، الضالين3.
قال: وهذا -والله أعلم- علم ما جاء: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ثم قال إسماعيل:4
لأن هذا -وإن كان في الأصل جائزا، فإنه إذا فعل ذلك رغب في اختيار أصحاب النبي "صلى الله عليه وسلم"، حين اختاروا أن يجمعوا الناس على مصحف واحد، مخافة PageV01P054
أن يطول بالناس زمان، فيختلفوا في القرآن.
ثم قال إسماعيل:
فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات، التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة، والذين هم حجة على الناس كلهم -يعني خط المصحف.