معنى: قرأ فلان بالأحرف السبعة
فأما قول الناس: قرأ فلان بالأحرف السبعة، فمعناه أن قراءة كل إمام تسمى حرفا، كما يقال: قرأ بحرف نافع، وبحرف أبي1 وبحرف ابن مسعود2. وكذلك قراءة كل إمام تسمى حرفا، فهي أكثر من سبعمائة حرف لو عددنا الأئمة، الذين نقلت عنهم القراءة من الصحابة فمن بعدهم.
فليس المراد بقولك: قرأ فلان بالأحرف السبعة، هي التي نص عليها رسول الله "صلى الله عليه وسلم". هذا شيء لم يتأوله أحد، ولا تعاطاه أحد، ولا يقدر على ذلك. PageV01P041
فحصل من جميع ما ذكرنا وبينا:
أن الذي في أيدينا من القرآن، هو ما في مصحف عثمان الذي أجمع المسلمون عليه، وأخذناه بإجماع يقطع على صحة مغيبه وصدقه.
والذي في أيدينا من القرآن هو ما وافق خط ذلك المصحف من القراءات، التي نزل بها القرآن، فهو من الإجماع أيضا.
وسقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف، فكأنها منسوخة بالإجماع على خط المصحف.
والنسخ للقرآن بالإجماع فيه اختلاف، فلذلك تمادى بعض الناس على القراءة بما يخالف خط المصحف "مما"1 ثبت نقله، وليس ذلك بجيد، ولا بصواب؛ لأن فيه مخالفة الجماعة، وفيه أخذ القرآن بأخبار الآحاد، وذلك غير جائز عند أحد من الناس.
وهذا الباب يتسع الكلام فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية لمن فهمه. PageV01P042
فصل منه: يرى الطبري ما أختلف القراء فيه هو حرف واحد من الأحرف السبعة
...
فصل منه: "يرى الطبري أن ما اختلف القراء فيه، هو حرف واحد من الأحرف السبعة"
وقد ذهب الطبري في كتاب البيان له، إلى أن الذي اختلف القراء اليوم فيه من القراءات، إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وهو الحرف الذي كتب عثمان عليه المصحف.
قال:
واختلاف القراء فيما اختلفوا فيه من الألفاظ كلا اختلاف.
قال: وليس هو مراد النبي "صلى الله عليه وسلم"، بقوله: "نزل القرآن على سبعة أحرف".
قال:
وما اختلف فيه القراء هذا بمعزل؛ لأن ما اختلف فيه القراء لا يخرجون عن خط المصحف على حرف واحد.
قلت:
يذهب الطبري إلى أن الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن
إنما هي تبديل كلمة في موضع كلمة يختلف الخط بهما، ونقص كلمة، وزيادة أخرى فمنع خط المصحف المجمع عليه ما زاد على حرف واحد؛ لأن الاختلاف لا يقع إلا بتغير الخط في رأي العين، فالقراءات التي في أيدي الناس كلها عنده حرف /3ش. واحد من الأحرف السبعة، التي نص عليها النبي "صلى الله عليه وسلم".
قال: والستة الأحرف الباقية قد سقطت، وذهب العمل بها بالإجماع على خط المصحف المكتوب على حرف واحد.
قلت:
فانظر، ما أبعد هذا القول من قول من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء السبعة المتأخرين، حرف من السبعة الأحرف التي نص النبي "صلى الله عليه وسلم" عليها، وأن قراءتهم قد استولت على السبعة المنصوص عليها.
والذي قدمنا -من أن ما زاد على قراءة لا يخالف المصحف في كل حرف، هو من الأحرف السبعة- أصوب عندنا لما ذكرنا من أن عثمان "رضي الله عنه"، لم يرد -إذ كتب المصحف-
إلا لفظا واحدا بكل حرف مما زاد على لفظ واحد، فهو من السبعة جازت القراءة به لموافقته لخط المصحف المجمع عليه.
وقد بينا علة كون ما زاد في الأحرف على لفظ واحد، أنه من الأحرف السبعة؛ لأنه إن لم يكن من السبعة ولا من مراد عثمان -فهو تغيير في القرآن لا أصل له ولا معنى، فلا بد إما أن يكون إما من السبعة الأحرف، وإما من مراد عثمان، والذي ثبت أن عثمان لم يكتب المصحف إلا على حرف واحد، ولفظ واحد، فما زاد على ذلك فهو من السبعة بلا شك جازت لنا القراءة به، لاحتمال أن يكون عثمان أراده، وأنه غير خارج عن خط المصحف.